بقلم: الدكتور عبد الودود نفيس
يُعَدُّ الحديثُ من الأنشطة التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة الإنسان. فنحن نتحدث كل يوم مع أفراد الأسرة، والأصدقاء، والطلاب، والسانتري، وزملاء العمل، بل ومع أشخاص نلتقي بهم للمرة الأولى. ومع ذلك، فإن القدرة على الكلام لا تتناسب دائمًا مع القدرة على جعل الآخرين يرغبون في الاستماع. فكثير من الناس يستطيعون الحديث طويلًا، ولكن رسالتهم لا تصل إلى الآخرين. وفي المقابل، هناك من لا يقول إلا بضع جمل، ولكنه يستطيع أن يترك أثرًا عميقًا في نفوس مستمعيه. ولذلك، فإن فن الحديث لا يقتصر في حقيقته على كيفية إخراج الكلمات، بل يتمثل في كيفية تقديم رسالة تستطيع الوصول إلى قلوب المستمعين وعقولهم.
ومن أهم مفاتيح التواصل الفعّال مبدأ LISTEN، وهو اختصار لعبارات: Lead with Empathy, Interpret Energy, Speak Simply, Trust Silence, Honor the Listener, and Nurture Truth، أي: البدء بالتعاطف، وفهم طاقة المتحدث، والتحدث ببساطة، والثقة بأهمية الصمت، واحترام المستمع، ورعاية الحقيقة.
إن التحدث بتعاطف يعني أن نفهم أولًا مشاعر الشخص الذي نتحدث إليه وظروفه. فلكل إنسان تجاربه ومشكلاته وحالته النفسية المختلفة. والجملة التي قد تكون مناسبة لشخص ما، قد لا تكون مناسبة لشخص آخر. ولذلك، ينبغي لنا قبل أن نتحدث أن نسأل أنفسنا: من هو الشخص الذي نتحدث إليه؟ ماذا يشعر؟ وما الذي يحتاج إليه في حقيقة الأمر؟
وإلى جانب التعاطف، ينبغي لنا أن نكون قادرين على قراءة الطاقة الموجودة في عملية التواصل. فلغة الجسد، وتعبيرات الوجه، ونبرة الصوت، واستجابات الشخص، كثيرًا ما تحمل رسائل غير منطوقة. فالشخص الذي يشعر بالتعب يحتاج بالتأكيد إلى أسلوب مختلف عن الشخص الذي يشعر بالحماس والنشاط. ومن خلال فهم هذه الحالات، يصبح التواصل أكثر إنسانية، ولا يبدو وكأنه محاضرة من طرف واحد.
ومن الأمور التي لا تقل أهمية عن ذلك: التحدث بأسلوب بسيط. فالرسالة الجيدة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تُقدَّم في جمل معقدة. بل إن الرسالة كلما كانت واضحة وبسيطة، كان فهمها وتذكرها أسهل. وفي كثير من المواقف، نستخدم كلمات افتتاحية كثيرة، ونكرر الكلام، ونستعمل جملًا لا تحمل معنى جوهريًا. مع أن التواصل الفعّال يتطلب منا الشجاعة لحذف الكلمات غير الضرورية، والانتقال مباشرة إلى جوهر الموضوع.
ومن المثير للاهتمام أن الصمت أيضًا جزء من فن الحديث. فالصمت لا يعني أننا لا نملك شيئًا نقوله، بل يمكن أن يكون مساحة للآخر كي يفكر، ويفهم، ويتأمل الرسالة التي سمعها للتو. والشخص الذي يتحدث كثيرًا قد يفقد فرصة الاستماع إلى الآخرين. والحقيقة أن التواصل الجيد ليس مسابقة لمعرفة من يتحدث أكثر، وإنما هو عملية متبادلة لتحقيق الفهم بين الطرفين.
كما أن احترام المستمع يمثل أساسًا مهمًّا في عملية التواصل. فعندما يشعر الإنسان بأنه محترم، يكون أكثر انفتاحًا على تقبّل الرسالة. ولذلك، فإن التحدث بأسلوب متعالٍ أو إصدار الأحكام على الآخرين أو فرض الرأي عليهم قد يؤدي إلى خلق مسافة بينهم وبين المتحدث. وعلى العكس من ذلك، فإن استخدام اللغة المهذبة، والتحلي بالانفتاح، والاستعداد للاستماع، كلها أمور تسهم في بناء الثقة.
وفي نهاية المطاف، ينبغي أن يقوم التواصل القوي على الصدق والحقيقة. فالكلمات الجميلة التي تفتقر إلى الصدق سرعان ما تفقد معناها. والصدق يولّد الثقة، والثقة تمنح الرسالة قوتها وتأثيرها. وفي الحياة الأسرية، والتعليم، والقيادة، والدعوة، ينبغي ألا تُستخدم القدرة على الكلام لمجرد إثارة إعجاب الناس، وإنما لبناء الفهم، ولمس القلوب، وإحداث التغيير الإيجابي.
وعليه، فإن الشخص البارع في الكلام ليس بالضرورة متواصلًا ناجحًا. فالمتواصل الناجح هو الذي يستطيع أن يجعل مستمعيه يشعرون بأنهم مفهومون، ومحترمون، وموضع ثقة. لأن الهدف الأساسي من الحديث ليس مجرد أن يُسمع صوتنا، وإنما أن تُفهم رسالتنا وأن تحقق النفع والفائدة.
