بقلم: الدكتور عبد الودود نفيس
لا يكفي أن تُبنى الحركة الشبابية على الحماس وحده، بل تحتاج إلى كوادر قوية، وقيم راسخة، وتوجّه خدمي واضح. وفي سياق منظمة “أنصار نهضة العلماء”، تُعد التكوينية والخدمة ركيزتين أساسيتين لإقامة منظمة ليست فاعلة داخلياً فحسب، بل قادرة أيضاً على تقديم منافع حقيقية للمجتمع.
يحمل شعار “تقوية الكوادر، ترسيخ الخدمة، تحقيق أنصار لوماجانغ ذات الأثر” رؤية استراتيجية. هناك ثلاث كلمات مفتاحية مترابطة: الكوادر، والخدمة، والأثر. فالكوادر القوية تنتج خدمة نوعية، والخدمة النوعية تُحدث أثراً إيجابياً في المجتمع.
١. تقوية الكوادر: بناء جيل ذي شخصية وكفاءة
الكوادر هي قلب المنظمة. وتقوى المنظمة إذا امتلكت كوادر ذات عقيدة راسخة، وأخلاق كريمة، ورؤية واسعة، وكفاءة مناسبة، وولاء لنضال المنظمة.
لا ينبغي أن يتوقف تقوية كوادر “أنصار لوماجانغ” عند الأنشطة الشكلية والإدارية، بل يجب إعداد الكوادر ليكونوا جيلاً قادراً على قراءة متغيرات العصر، مع التمسك بالقيم الإسلامية وتقاليد أهل السنة والجماعة.
تواجه كوادر الأنصار اليوم تحديات أكثر تعقيداً، مثل التحول الرقمي، والتغير الاجتماعي، والتطور الاقتصادي، والذكاء الاصطناعي، واضطراب سوق العمل، وتغير ثقافة الشباب، ومشكلات اجتماعية متنوعة، مما يتطلب كوادر قادرة على التفكير النقدي والتكيف.
لذا، ينبغي توجيه التكوينية نحو تنمية قدرات رئيسية، وهي:
· القوة الروحية، ليتحلى الكادر بالنزاهة والثبات الأخلاقي.
· القوة الفكرية، لفهم القضايا بنقد وموضوعية.
· القوة التنظيمية، للقيادة والعمل الجماعي.
· القوة الريادية، لتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
· القوة الرقمية، لتوظيف التكنولوجيا في الدعوة والتمكين.
· القوة الاجتماعية، للحضور وحل مشكلات المجتمع.
وبذلك، لا يكون كادر الأنصار ناشطاً تنظيمياً فحسب، بل قائداً مجتمعياً، ومحركاً اقتصادياً، ومعلماً، وداعية، ومهنياً، وحلالاً للمشكلات.
٢. ترسيخ الخدمة: المنظمة سبيلاً للعبادة والتفاني
الخدمة ليست مجرد نشاط تنظيمي، بل هي توجه حياتي لبذل النفع للغير.
وفي تقليد نهضة العلماء، للخدمة بُعد روحي، فالعمل التنظيمي ليس وسيلة للحصول على منصب أو شهرة أو مصالح شخصية، بل هو سبيل لتحقيق المصلحة العامة.
لذا، ينبغي للكادر أن يبني مفهوماً:
“التنظيم ليس لتُخدم، بل لتخدم”
فكلما ارتفع موقع الكادر في التنظيم، زادت مسؤوليته في تقديم الخدمة للكوادر والمجتمع.
ويجب أن تتجسد الخدمة في ميادين الحياة المختلفة، كالتعليم، والاقتصاد، والشؤون الاجتماعية، والدينية، والشبابية، والبيئية، والصحية، والتقنية، والإغاثية.
تمتلك منطقة لوماجانغ إمكانات كبيرة، وفي الوقت ذاته تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية، لذا يجب أن تكون خدمة الأنصار قادرة على تلبية احتياجات المجتمع الفعلية، خاصة الفئات المحتاجة إلى الرعاية والتمكين.
الخدمة المثالية ليست مجرد “حضور في الفعاليات”، بل “حضور لحل المشكلات”.
٣. تحقيق أنصار لوماجانغ ذات الأثر
كلمة “الأثر” جزء مهم من هذا الشعار، فلا يُقيّم التنظيم بكثرة نشاطاته، بل بحجم الفائدة التي يشعر بها المجتمع.
يحتاج أنصار لوماجانغ إلى بناء ثقافة تنظيمية موجهة نحو الأثر، وليس النشاط فقط.
كثير من الفعاليات قد لا تحدث تغييراً، بينما برنامج واحد مصمم جيداً، ويُنفذ باستمرار، ويحل مشكلة مجتمعية، قد يُحدث أثراً أكبر بكثير.
لذا، ينبغي لكل برنامج أن يجيب على ثلاثة أسئلة:
· ما المشكلة التي نريد حلها؟
· ما البرنامج المنفذ؟
· ما التغيير المحقق؟
وبهذا المنهج، يمكن لأنصار لوماجانغ تطوير برامج قابلة للقياس والاستدامة.
فعلى سبيل المثال: في المجال الاقتصادي، لا يكتفي بعقد ندوات عن ريادة الأعمال، بل يبني نظاماً بيئياً لريادة الأعمال بين الكوادر. وفي التعليم، لا يقتصر على دورات تدريبية، بل ينشئ برنامجاً لرفع كفاءة الشباب. وفي المجال الاجتماعي، لا يقدم مساعدات وقتية، بل ينمي تمكيناً مجتمعياً مستداماً.
٤. الأنصار والاستقلال الاقتصادي للكوادر
من أكبر تحديات الشباب اليوم المشكلات الاقتصادية، إذ تحتاج الكوادر إلى فضاء للنمو والاستقلال.
لذا، يجب أن يكون تعزيز الاقتصاد الكوادر جزءاً مهماً من حركة أنصار لوماجانغ.
ويمكن توجيه الكوادر نحو تطوير المشاريع الشبابية، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتعاونيات، والاقتصاد الرقمي، والأعمال القائمة على المعاهد الإسلامية، والزراعة الحديثة، والاقتصاد الإبداعي، وريادة الأعمال الاجتماعية.
روح ذلك ليست الربح فحسب، بل بناء اقتصاد ذي قيمة اجتماعية.
وبذلك، يصبح الكادر:
مستقلاً اقتصادياً، قوياً روحياً، محترفاً في عمله، نافعاً لمجتمعه.
٥. الأنصار في العصر الرقمي
يعيش شباب اليوم في نظام بيئي رقمي، لذا على المنظمة التي تريد البقاء ذات صلة أن تتكيف مع تطور التكنولوجيا.
على أنصار لوماجانغ أن يجعلوا التكنولوجيا أداة للنضال والخدمة، باستخدام وسائل التواصل للدعوة، والتعليم، ونشر الأنشطة، وتطوير مشاريع الكوادر، والتوعية الرقمية، وبناء التواصل مع المجتمع.
لكن لا ينبغي للرقمنة أن تفقد الكوادر شخصيتهم، فالتكنولوجيا وسيلة وليست غاية.
يجب أن يكون الكادر ملمّاً بالتقنية مع قوة في الأخلاق.
وفي مواجهة عصر الذكاء الاصطناعي، ينبغي للكادر فهم التقنية مع القدرة على تمييز الصحيح من الخطأ، وحفظ أخلاقيات التواصل، وحماية الخصوصية، وتوظيف التقنية للمصلحة العامة.
٦. من التكوينية إلى القيادة
التكوينية الجيدة يجب أن تخرج قادة المستقبل.
على أنصار لوماجانغ إعداد الكوادر ليس فقط لقيادة التنظيم، بل لشغل مواقع القيادة في المجتمع: الحكومة، والتعليم، والاقتصاد، والسياسة الوطنية، والأعمال، والمعاهد الإسلامية، والمؤسسات الاجتماعية، والمهن المختلفة.
يجب أن تُبنى قيادة الكادر على أربع صفات:
النزاهة، والكفاءة، والقدوة، والخدمة.
فالقائد ذو الكفاءة دون نزاهة يفقد الثقة، والقائد ذو النزاهة دون كفاءة يعجز عن مواجهة تعقيدات المشكلات، لذا يجب أن يتلازما.
بل الأكثر، يجب أن يكون قائد الأنصار قدوة في الخلق والخدمة.
٧. بناء التعاون من أجل لوماجانغ
لا يمكن للأنصار العمل بمفرده، فمشكلات المجتمع معقدة ولا تحلها منظمة واحدة.
لذا، على أنصار لوماجانغ بناء تعاون مع الحكومة المحلية، والمعاهد الإسلامية، والمدارس الدينية، والجامعات، ورجال الأعمال، والمنظمات الشبابية، والمؤسسات الاجتماعية، والمجتمعات المحلية، وسائر الأطراف المعنية.
فالتعاون يجعل الحركة أوسع وأكثر استدامة، بروح:
“معاً نبني لوماجانغ، دون أن نفقد هويتنا وقيم نضالنا”
وينبغي أن يكون الأنصار جسراً يربط إمكانات الكوادر بحاجات المجتمع.
الخاتمة
“تقوية الكوادر، ترسيخ الخدمة، تحقيق أنصار لوماجانغ ذات الأثر” ليس مجرد شعار لحفل التنصيب، بل يجب أن يكون بوصلة للنضال.
تقوية الكوادر تعني بناء إنسان مؤمن، وعالم، وخَلُوق، وكفء، ومستقل، ومتكيف.
ترسيخ الخدمة يعني إعادة التنظيم إلى جوهره كفضاء للتفاني والخدمة.
تحقيق أنصار لوماجانغ ذات الأثر يعني ضمان أن كل طاقة، وبرنامج، ونضال تنظيمي ينتج فائدة ملموسة للمجتمع.
وفي النهاية، نجاح الأنصار ليس حين تكبر منظمته فقط، بل حين يشعر بحضوره.
وليس حين يكثر عدد كوادره فقط، بل حين تقوى نوعيتهم.
وليس حين تزداد فعالياته ضجيجاً، بل حين يشعر المجتمع بثمارها.
من لوماجانغ، نأمل أن يخرج كوادر شباب قادرون على أن يكونوا جيل الخدمة، والاستقلال، والرقمنة، والقيادة، الحاملين لقيم الإسلام رحمة للعالمين في حياتهم الاجتماعية والوطنية والدولية.
تقوية الكوادر.
ترسيخ الخدمة.
تحقيق أنصار لوماجانغ ذات الأثر حقاً.
والله أعلم بالصواب
