بقلم: الدكتور عبد الودود نفيس،
إن السياسة في جوهرها وسيلة لخدمة المجتمع وتحقيق العدالة والازدهار والمصلحة العامة. غير أن الأمة تواجه أزمة أخلاقية خطيرة عندما تصبح السياسة أكثر اهتماما بالصراع على السلطة من اهتمامها بخدمة المواطنين. وفي مثل هذه الظروف، تمثل ذكرى يوم السانتري الوطني مناسبة مهمة لتأكيد دور طلاب المعاهد الإسلامية التقليدية بوصفهم حراسا للقيم الإسلامية والوطنية والإنسانية.
ولا يقتصر مفهوم السانتري على ارتداء السارونغ والقلنسوة، ودراسة الكتب الإسلامية التراثية، والحياة داخل المعاهد الإسلامية المعروفة باسم «بيسانترين». بل إن السانتري يمثلون، قبل كل شيء، تقليدا علميا وروحيا يغرس قيم الصدق والبساطة والانضباط والمسؤولية. وينبغي أن تشكل هذه القيم أساسا لبناء حياة سياسية كريمة. وعندما تتلوث الممارسات السياسية بشراء الأصوات، وإساءة استخدام السلطة، والتلاعب بالمعلومات، وإثارة العداوة بين الجماعات، تقع على عاتق السانتري مسؤولية أخلاقية تتمثل في تذكير المجتمع بأن السلطة ليست غاية في ذاتها، بل هي أمانة يجب أن يتحمل المسؤولون عنها تبعاتها.
ومن منظور إسلامي، تعد القيادة أمانة تستوجب العدل والانحياز إلى مصالح المجتمع. وقد أمر القرآن الكريم في سورة النساء، الآية الثامنة والخمسين، بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل. ويؤكد هذا المبدأ أن النجاح السياسي لا ينبغي أن يقاس بمجرد الفوز في صراع السلطة، بل يجب أن يقاس أيضا بنزاهة القادة ومدى إسهام سياساتهم في تحقيق مصالح الشعب.
ولذلك، يجب على السانتري أن يكونوا بوصلة أخلاقية للأمة، بعيدا عن التعصب السياسي الأعمى. ومن حقهم المشاركة في الحياة السياسية، شريطة المحافظة على مبادئهم واستقلالية تفكيرهم والتزامهم بالحقيقة. كما ينبغي ألا يؤدي دعم شخصية سياسية أو حزب معين إلى إضعاف شجاعتهم في انتقاد الظلم. فالإخلاص الأعلى يجب أن يكون للحق والعدل والوحدة والمصلحة العامة للأمة.
كما ينبغي للمعاهد الإسلامية أن تعزز التربية السياسية القائمة على الأخلاق، والثقافة الرقمية، والوعي الدستوري. ومن خلال هذه المعارف والمهارات، يستطيع السانتري الإسهام في مكافحة الأخبار المضللة، والحد من الاستقطاب السياسي، وتعزيز الحوار البناء، والدعوة إلى سياسات عامة تراعي احتياجات الفئات الفقيرة والمهمشة. ويجب أن يسير التراث العلمي للمعاهد الإسلامية جنبا إلى جنب مع القدرة على فهم التحولات المعاصرة ومواكبة تطورات العصر.
وفي نهاية المطاف، لا تحتاج الأمة إلى سياسيين أذكياء فحسب، بل تحتاج أيضا إلى قادة يتمتعون بأخلاق رفيعة وضمير حي. وعندما تفقد السياسة اتجاهها الصحيح، يجب على السانتري أن ينهضوا بدور البوصلة الأخلاقية للأمة، لا للهيمنة على مراكز السلطة، بل لضمان بقاء السلطة على طريق العدالة.
فالسانتري الحقيقي لا يقتصر دوره على حماية الدين داخل المعاهد الإسلامية، بل يمتد أيضا إلى حماية ضمير الأمة في الحياة العامة وشؤون الدولة.
