بقلم: الدكتور عبد الودود نفيس
إن استقلال إندونيسيا الذي أُعلن في 17 أغسطس 1945م يُعدّ علامةً تاريخية في نهضة الأمة نحو حياةٍ ذات سيادةٍ وعدالةٍ وحضارةٍ راقية. غير أنّ الاستقلال لا ينبغي أن يُفهم فقط بوصفه حريةً سياسية، بل هو أيضاً مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ وروحيةٌ لإقامة قيم الإنسانية العادلة والمتحضّرة (حتا، 1945).
وفي سياق إندونيسيا الحديثة، لم تعد مواكبة الاستقلال تتمثل في الكفاح الجسدي ضد الاستعمار، بل في الجهد للحفاظ على سيادة القيم والهوية الوطنية. وهنا تبرز أهمية إحياء القيم الإسلامية المعتدلة المتجذّرة في تقاليد الأرخبيل، كما علّمها أهل السنّة والجماعة النهضيون (أشاعرة النهضة) (سهل، 2012). فهذه القيم تؤدي دوراً استراتيجياً في تحقيق حضارةٍ ساميةٍ يتناغم فيها الإيمان والعلم والعمل.
١. المعنى الحقيقي للاستقلال
الاستقلال الحقيقي لا يقتصر على التحرر من الاستعمار الجسدي، بل يشمل أيضاً التحرر من الاستعمار الفكري والأخلاقي والاقتصادي. فقد أكّد سوكارنو (1961) أن الاستقلال هو بوابة العدالة الاجتماعية ورفاهية الشعب، بينما يرى حتا (1954) أنّ الاستقلال وسيلة لإقامة العدالة وإزالة جميع أشكال استعباد الإنسان لأخيه الإنسان.
ومن ثمّ، فإن مواكبة الاستقلال تعني إغناء الحياة الوطنية بقيم العدالة والاستقلال والأخوّة، حتى تعيش الأمة الإندونيسية حياةً كريمة أمام الله والناس.
٢. التحديات التي تواجه إندونيسيا بعد الاستقلال
بعد مرور ما يقرب من ثمانية عقود على الاستقلال، لا تزال إندونيسيا تواجه تحدياتٍ بنيوية وثقافية متعددة. فالتفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وضعف الشخصية الوطنية، وتأثير العولمة الذي يُضعف القيم الوطنية تشكل تهديداً خطيراً لهوية الأمة (رحاردجو، 2010).
وفوق ذلك، فإن التقدّم التكنولوجي السريع لم يُواكبه نضجٌ أخلاقيّ وروحيّ كافٍ، مما أدى إلى أزمةٍ أخلاقيةٍ وتدهورٍ اجتماعي يهددان الاستقرار الوطني. لذلك، أصبح من الضروري إعادة بناء منظومة القيم والتربية الأخلاقية على أساس الروحانية والتقاليد الوطنية.
٣. بناء حضارة سامية قائمة على القيم الأصيلة للأمة
إن الحضارة السامية تنبع من أمةٍ تُقيم قيم الإنسانية والعدالة والإيمان بالله. وتُعدّ البانتشاسيلا (Pancasila) بوصفها أساس الدولة والفكر الوطني حجر الأساس للأخلاق العامة (مجيد، 1992). كما ينبغي أن تكون القيم المحلية المتجذّرة في الثقافة الدينية للأرخبيل دعامةً لبناء مجتمعٍ متحضّرٍ ورفيع.
تتطلب الحضارة السامية توازناً بين التقدّم المادي والنضج الروحي. فالتربية الأخلاقية، والاقتصاد العادل، والحكم النزيه تمثل ركائز ثلاثاً لتحقيق أهداف الأمة الكريمة.
٤. قيم أهل السنة والجماعة النهضيين في بناء الحضارة السامية
يمثل أهل السنة والجماعة النهضيون (أشاعرة النهضة) منهجاً فكرياً ودينياً يقوم على الاعتدال والتسامح والتجذّر في التراث العلمي الإسلامي الكلاسيكي. وفي السياق الإندونيسي، تشكل قيمهم أساساً روحياً وأخلاقياً لبناء حضارةٍ قائمةٍ على الرحمة للعالمين (رحمةً للعالمين) (متّقين، 2019).
وهناك جملة من المبادئ الأساسية لأشاعرة النهضة ذات صلة وثيقة بمواكبة الاستقلال وبناء حضارة الأمة، من أبرزها:
أ. التوسّط (الاعتدال) – وهو الموقف الوسطي الذي يرفض كل أشكال التطرف يميناً أو يساراً، ويهدي الإنسان إلى العدل والتوازن في مواجهة الاختلاف (بصري، 2015). وفي الإطار الوطني، يُعدّ الاعتدال مفتاحاً لحفظ وحدة الأمة المتنوعة.
ب. التسامح (التسامح) – وهو احترام التعددية العرقية والدينية والثقافية، وهي قيمة تُجسّد شعار إندونيسيا الوحدة في التنوّع (بهينيكا تونغال إكا)، وتُسهم في تحقيق الانسجام الاجتماعي ومكافحة التطرف.
ج. التوازن (التوازن) – مبدأ يقوم على التوفيق بين شؤون الدنيا والآخرة، وبين حقوق الفرد ومصالح المجتمع. وهو يوجّه التنمية بحيث لا تقتصر على الجانب المادي، بل تشمل القيم الروحية والأخلاقية.
د. العدل (الاعتدال والحق) – قيمة تدعو إلى إرساء القانون والحق والعدالة الاجتماعية. وفي سياق الدولة، يُعلّم منهج الأشاعرة أن العدالة هي جوهر الاستقلال الحقيقي.
هـ. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الأخلاق الاجتماعية في الإسلام) – وهو مبدأ فاعل لإصلاح المجتمع، ودعامة للأخلاق العامة في بناء أمةٍ متحضّرة.
وهذه القيم ليست لاهوتيةً فحسب، بل اجتماعيةٌ وثقافيةٌ أيضاً، إذ يُعلّم منهج الأشاعرة الإسلام الواقعي المنسجم مع الثقافة المحلية. وبذلك يمكن لإندونيسيا أن تحقق الحضارة السامية المنشودة عبر التوافق بين الدين والثقافة والإنسانية.
٥. دور الشباب في مواكبة الاستقلال
الشباب هم ورثة رسالة الأمة وحماة قيم أهل السنة والجماعة النهضيين. ومن الواجب تزويدهم بروح الوطنية والوعي الرقمي والإيمان الراسخ. ومن خلال التربية القائمة على قيم الأشاعرة، يمكن للشباب أن يصبحوا روّاد التغيير الملتزمين بالأخلاق والنزاهة (أنور، 2020).
إن مواكبة استقلال إندونيسيا تعني غرس القيم الإسلامية الرحيمة رحمةً للعالمين في حياة الأمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
الخاتمة
مواكبة استقلال إندونيسيا تعني الحفاظ على روح الاستقلال حيّةً في وجدان الأمة. إن نضال اليوم ليس ضد مستعمرٍ يحمل السلاح، بل ضد الاستعمار القيمي والأخلاقي. وفي هذا الإطار، تُعدّ قيم أهل السنة والجماعة النهضيين دليلاً استراتيجياً لبناء أمةٍ مسالمةٍ عادلةٍ ومتحضّرةٍ سامية.
وباعتماد منهج الأشاعرة إطاراً للفكر الوطني والسياسي، ستتمكّن إندونيسيا من التقدّم نحو حضارةٍ لا تتفوّق بالتكنولوجيا فحسب، بل تتميّز أيضاً بالأخلاق الرفيعة والإنسانية والعدالة.
المراجع
أنور، ر. (2020). الشباب وتحديات العصر الرقمي: بناء شخصية الأمة في القرن الحادي والعشرين. جاكرتا: بريناداميديا جروب.
بصري، م. (2015). قيم الأشاعرة وعلاقتها بالحياة المعاصرة. سورابايا: لجنة التبليغ والدعوة – نهضة العلماء جاوة الشرقية.
حتا، م. (1945). التجديف بين صخرتين. جاكرتا: مكتبة الشعب.
حتا، م. (1954). الاقتصاد الموجّه والديمقراطية الاجتماعية. جاكرتا: بالاي بوستاكا.
مجيد، ن. (1992). الإسلام والحداثة والإندونيسية. باندونغ: ميزان.
متّقين، أ. (2019). الأشاعرة النهضيون: منهج الاعتدال والحضارة. يوغياكرتا: مركز الدراسات الإسلامية.
رحاردجو، د. (2010). بناء إندونيسيا الكريمة. يوغياكرتا: جامعة جاجاه مادا للنشر.
سهل، م. (2012). لمحات في الفقه الاجتماعي. جاكرتا: مركز الفكر الإسلامي.
سوكارنو. (1961). تحت راية الثورة. جاكرتا: لجنة نشر أعمال الثورة.
