الذِّكْرُ والتَّحَوُّلُ الرُّوْحِيُّ لِلْمُؤْمِنِ: دِرَاسَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ لِآيَاتِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٤)

بقلم الدكتور عبد الودود نفيس

مُلَخَّصٌ

يُعَدُّ الذِّكْرُ مُمَارَسَةً رُوْحِيَّةً جَوْهَرِيَّةً فِي الْإِسْلَامِ، يَلْعَبُ دَوْرًا أَسَاسِيًّا فِي صِيَاغَةِ وَعْيِ الْمُؤْمِنِ وَشَخْصِيَّتِهِ. تَهْدِفُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ إِلَى تَحْلِيلِ مَعَانِي وَأَبْعَادِ وَدَلالَاتِ أَمْرِ الذِّكْرِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٤) مِنْ جِهَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ رُوْحِيَّةٍ. تَسْتَخْدِمُ الْبَحْثَ مَنَهُجًا نَوْعِيًّا مِنْ خِلَالِ مَقَارَبَةِ التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ)، مُتَطَرِّقَةً إِلَى الْآيَاتِ بِصُورَةٍ شَامِلَةٍ وَسِيَاقِيَّةٍ. تَتَضَمَّنُ الْمَصَادِرُ الْأَوَّلِيَّةُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ وَكُتُبَ التَّفْسِيرِ التَّقْلِيدِيَّةِ مِثْلَ كُتُبِ الطَّبَرِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَالْقُرْطُبِيِّ، إِلَى جَانِبِ الْأَدَبِيَّاتِ الْمُعَاصِرَةِ. تَكْشِفُ النَّتَائِجُ أَنَّ هَذِهِ السِّلْسِلَةَ مِنَ الْآيَاتِ لَا تُؤَكِّدُ فَقَطْ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ فَرِيضَةٌ عِبَادِيَّةٌ، بَلْ تُوَضِّحُ أَنَّهُ أَدَاةٌ لِلتَّحَوُّلِ الْوُجُودِيِّ الَّذِي يَرْبِطُ الْعَبْدَ بِرَحْمَةِ اللهِ (الرَّحْمَةِ)، وَيَشْمَلُ دَوْرًا فَعَّالًا لِلْمَلَائِكَةِ، وَيَضْمَنُ الْخَلَاصَ الأُخْرَوِيَّ بِصُورَةِ لِقَاءٍ مَعَ “السَّلَامِ” الإِلَهِيِّ. يُؤَدِّي عَمَلِيَّةُ الذِّكْرِ الْمُسْتَمِرَّ (كَثِيرًا) وَالْمُرْتَبِطِ بِالزَّمَنِ (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) وَظِيفَةً كَانِظَامٍ رُوْحِيٍّ يُحَوِّلُ الْحَالَةَ الْبَاطِنِيَّةَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. تَسْتَتِبِعُ الْمَقَالَةُ أَنَّ الْفَهْمَ الشَّامِلَ لِسُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٤) يُقَدِّمُ نَمُوذَجًا رُوْحِيًّا ذَا صِلَةٍ بِتَجَاوُزِ جَفَافِ الرُّوْحِ فِي الْحَيَاةِ الْحَدِيثَةِ.

الكلمات المفتاحية: الذِّكْرُ، التَّسْبِيحُ، رَحْمَةُ اللهِ، التَّحَوُّلُ الرُّوْحِيُّ، التَّفْسِيرُ الْمَوْضُوعِيُّ، سُورَةُ الْأَحْزَابِ.

مُقَدِّمَةٌ

١. خَلْفِيَّةُ الْمُشْكِلَةِ

يَتَرَكَّزُ الرُّوْحَانِيُّ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَفْهُومِ ذِكْرِ اللهِ (ذِكْرِ اللهِ)، الَّذِي يَعْمَلُ كَتَنَفُّسٍ رُوْحِيٍّ لِاسْتِمْرَارِ إِيمَانِ الْعَبْدِ (الْقُرْآنُ، ١٣: ٢٨). يُوجَدُ أَمْرُ الِاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ فِي آيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، مُشِيرًا إِلَى أَهَمِّيَّتِهِ وَمَوْقِعِهِ الْمَرْكَزِيِّ. يُوجَدُ أَمْرٌ صَرِيحٌ وَمُنَظَّمٌ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٤)، الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ فَرَائِضَ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ، وَوَعْدِ الرَّحْمَةِ، وَدَوْرِ الْمَلَائِكَةِ، وَالثَّوَابِ الأُخْرَوِيِّ فِي وَحْدَةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ مُتَمَاسِكَةٍ (الْقُرْطُبِيُّ، ٢٠٠٦). لَا تَتَحَدَّثُ هَذِهِ الْآيَاتُ فَقَطْ عَلَى مُسْتَوَى الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ (الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ)، بَلْ وَأَعْمَقَ مِنْ ذَلِكَ، تُشِيرُ إِلَى عَمَلِيَّةِ تَحَوُّلٍ رُوْحِيٍّ تَحْدُثُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِلَى الْآخِرَةِ. تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي تَجْلِيَةِ كَيْفِيَّةِ نَظَرِ الْقُرْآنِ إِلَى الذِّكْرِ كَآلِيَّةٍ لِلتَّكْوِينِ الذَّاتِيِّ وَالتَّغَيُّرِ الْوُجُودِيِّ (صَقْرٌ، ١٩٨٧).

٢. صِيَاغَةُ الْمُشْكِلَةِ

مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْخَلْفِيَّةِ، تُصَاغُ مُشْكِلَاتُ الْبَحْثِ كَمَا يَلِي: (١) كَيْفَ يُفَسَّرُ مَعْنَى فَرَائِضِ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٢) مِنْ قِبَلِ الْمُفَسِّرِينَ التَّقْلِيدِيِّينَ وَالْمُعَاصِرِينَ، وَمَا هِيَ انْعِكَاسَاتُ ذَلِكَ عَلَى النِّظَامِ الرُّوْحِيِّ لِلْمُؤْمِنِ؟ (٢) مَا هِيَ الْأَبْعَادُ اللَّاهُوتِيَّةُ لِذِكْرِ رَحْمَةِ اللهِ وَدَوْرِ الْمَلَائِكَةِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤٣)، وَكَيْفَ هِيَ عَلَاقَتُهُمَا بِعَمَلِيَّةِ التَّحَوُّلِ الْإِنْسَانِيِّ؟ (٣) كَيْفَ يُفْهَمُ مَفْهُومُ “السَّلَامِ” وَ”اللِّقَاءِ” (يَوْمُ التَّلَاقِي) فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤٤) كَذُرْوَةٍ لِرِحْلَةٍ رُوْحِيَّةٍ تَبْدَأُ بِالذِّكْرِ؟

٣. أَهْدَافُ الْبَحْثِ وَأَهَمِّيَّتُهُ

يَهْدِفُ هَذَا الْبَحْثُ إِلَى: أَوَّلًا، إِجْرَاءِ تَحْلِيلٍ مُتَعَمِّقٍ لِسُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٤) مُسْتَخْدِمًا مَقَارَبَةَ التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِكَشْفِ شَبَكَةِ الْمَعَانِي بَيْنَ الْآيَاتِ. ثَانِيًا، الْغَوْصِ فِي الْأَبْعَادِ التَّحَوُّلِيَّةِ لِمُمَارَسَةِ الذِّكْرِ الْمُؤَثِّرَةِ عَلَى الْحَالَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَالْعَلَاقَةِ مَعَ عَالَمِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْكَشْفِ الأُخْرَوِيِّ. تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ الْبَحْثِ فِي إِسْهَامِهِ فِي خَزَانَةِ التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ، وَخَاصَّةً ذَلِكَ الَّذِي يَرْبِطُ بَيْنَ الْمُمَارَسَاتِ الْعِبَادِيَّةِ وَعِلْمِ نَفْسِ وَمَعْرِفَةِ الرُّوْحَانِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ. عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، يُرْجَى أَنْ تُقَدِّمَ هَذِهِ الْمَقَالَةُ رُؤْيَةً جَدِيدَةً لِمُحَاوَلَاتِ إِعَادَةِ إِحْيَاءِ الرُّوْحَانِيَّةِ فِي سِيَاقِ الْحَيَاةِ الْحَدِيثَةِ، الَّتِي تَتَسِمُ كَثِيرًا بِالْغُرْبَةِ وَفِقْدَانِ الْمَعْنَى (الزَّيْنِ، ٢٠٠٠).

٤. مَنْهَجِيَّةُ الْبَحْثِ

يُعَدُّ هَذَا الْبَحْثُ دِرَاسَةً مَكْتَبِيَّةً (دِرَاسَةً مَكْتَبِيَّةً) بِمَقَارَبَةٍ نَوْعِيَّةٍ. الْأَسْلُوبُ الرَّئِيسُ الْمُسْتَخْدَمُ هُوَ التَّفْسِيرُ الْمَوْضُوعِيُّ (الْمَوْضُوعِيِّ) بِخُطَوَاتٍ كَالْآتِي: (١) تَحْدِيدُ الْمَوْضُوعِ الرَّئِيسِ، وَهُوَ الذِّكْرُ وَالتَّحَوُّلُ الرُّوْحِيُّ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٤). (٢) جَمْعُ الْآيَاتِ الْمُرْتَبِطَةِ مُبَاشَرَةً بِالْمَوْضُوعِ، بِمَا فِي ذَلِكَ الْآيَاتِ الْمُرْتَبِطَةِ لُغَوِيًّا أَوْ سِيَاقِيًّا. (٣) تَنْظِيمُ الْمُنَاقَشَةِ فِي إِطَارٍ مَنْهَجِيٍّ حَسَبَ تَسَلْسُلِ الْآيَاتِ وَعُمْقِ التَّحْلِيلِ. (٤) التَّحْلِيلُ بِالاِرْتِكَازِ إِلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ التَّقْلِيدِيَّةِ مِثْلَ “جَامِعِ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ” لِابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَ”تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ” لِابْنِ كَثِيرٍ، وَ”الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ” لِلْقُرْطُبِيِّ. (٥) تَوْظِيفُ النَّتَائِجِ مَعَ خِطَابِ الرُّوْحَانِيَّةِ الْمُعَاصِرِ. تَقْنِيَّةُ تَحْلِيلِ الْبَيَانَاتِ تَسْتَخْدِمُ تَحْلِيلَ الْمَحْتَوَى لِلْمَصَادِرِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالثَّانَوِيَّةِ. جَمِيعُ الِاقْتِبَاسَاتِ مُسْتَشْهَدٌ بِهَا بِأُسْلُوبِ جَمْعِيَّةِ الْعُلُومِ النَّفْسِيَّةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ (APA) الطَّبْعَةِ السَّابِعَةِ.

مُنَاقَشَةٌ

١. أَمْرُ الذِّكْرِ كَهُوِيَّةٍ وَأَسَاسٍ وُجُودِيٍّ لِلْمُؤْمِنِ (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: ٤١)

تَكُونُ الْآيَةُ ٤١ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ نُقْطَةَ انْطِلَاقٍ لِأَمْرٍ إِلَهِيٍّ قَوِيٍّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (الْقُرْآنُ، ٣٣: ٤١). يُؤَكِّدُ الِاسْتِدْعَاءُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْأَمْرِ هُمُ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ أَصْلَ الْإِيمَانِ؛ وَبِذَلِكَ يَعْمَلُ الذِّكْرُ كَمُقَوٍّ وَحَافِظٍ وَنَاشِرٍ لِذَلِكَ الْإِيمَانِ نَفْسِهِ (الطَّبَرِيُّ، ٢٠٠١). يُشَبَّهُ الْإِيمَانُ بِدُونِ ذِكْرٍ مُسْتَمِرٍّ بِجَسَدٍ بِدُونِ نَفَسٍ، سَيَضْعُفُ وَيَمُوتُ بِالتَّدْرِيجِ. تَحْتَوِي الْعِبَارَةُ الْمِفْتَاحِيَّةُ ذِكْرًا كَثِيرًا عَلَى مَعْنَى كَمِّيٍّ وَكَيْفِيٍّ. مِنَ النَّاحِيَةِ الْكَمِّيَّةِ، تَطْلُبُ الِاسْتِمْرَارِيَّةَ وَالِاثْبَاتَ، لَا النَّشَاطَ الْمُتَقَطِّعَ. يُفَسِّرُ ابْنُ كَثِيرٍ (١٩٩٩) “كَثِيرًا” هُنَا بِأَنَّهُ الذِّكْرُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ بِالْغَفْلَةِ، مُسْتَشْهِدًا بِحَدِيثٍ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ لَا يُذْكَرُ فِيهِ اللهُ هُوَ غَفْلَةٌ بَاطِلَةٌ.

مِنْ مَنْظُورٍ لُغَوِيٍّ، تَمْلِكُ كَلِمَةُ ذِكْرٌ مَجَالًا وَاسِعًا مِنَ الْمَعَانِي: التَّذَكُّرُ، وَالذِّكْرُ، وَالِاحْتِفَاءُ، وَأَخْذُ الْعِبْرَةِ، وَأَيْضًا تُصْبِحُ مُصْطَلَحًا لِلْقُرْآنِ نَفْسِهِ (ابْنُ مَنْظُورٍ، د.ت). فِي هَذَا السِّيَاقِ، يَشْمَلُ الذِّكْرُ جَمِيعَ أَشْكَالِ ذِكْرِ اسْمِ اللهِ، سَوَاءً كَانَ بِاللِّسَانِ (ذِكْرُ اللِّسَانِ)، أَوْ بِالْقَلْبِ (ذِكْرُ الْقَلْبِ)، أَوْ بِالْأَعْمَالِ الْجَسَدِيَّةِ (ذِكْرُ الْجَوَارِحِ) الْمَقْصُودَةِ بِوَعْيٍ بِالْحُضُورِ الإِلَهِيِّ (حُضُورُ الْقَلْبِ) (الْغَزَالِيُّ، ٢٠٠٨). لِذَلِكَ، يَعْنِي كَثِيرًا أَيْضًا الْعُمْقَ وَالِاشْتِمَالَ عَلَى جَمِيعِ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ، حَتَّى تَصِيرَ حَيَاةُ الْمُؤْمِنِ كُلُّهَا تَجَلِّيًا لِلتَّذَكُّرِ بِرَبِّهِ. يُكَوِّنُ هَذَا هُوِيَّةً وُجُودِيَّةً جَدِيدَةً حَيْثُ تَصْبِحُ الْوَعْيُ بِاللهِ (التَّقْوَى) مِحْوَرَ تَوْجُّهِ حَيَاتِهِ (نَصْرٌ، ٢٠١٥). فِي رُؤْيَةٍ صُوفِيَّةٍ، سَيَحْرِقُ الذِّكْرُ “الْكَثِيرُ” وَالثَّابِتُ حِجَابَ الْغَفْلَةِ وَيَقُودُ الْقَلْبَ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى حَالِ “الْإِحْسَانِ”، أَيْ عِبَادَةِ اللهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ (الْقُشَيْرِيُّ، ٢٠٠٧).

٢. التَّسْبِيحُ صَبَاحًا وَمَسَاءً كَنِظَامٍ رُوْحِيٍّ مُرْتَبِطٍ بِالزَّمَنِ (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: ٤٢)

يُقَوِّي الْأَمْرُ فِي الْآيَةِ ٤٢ وَيُقَدِّمُ إِطَارًا زَمَنِيًّا: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الْقُرْآنُ، ٣٣: ٤٢). تَعْنِي كَلِمَةُ سَبَّحَ تَنْزِيهَ اللهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَوَصْفَهُ بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ. بَيْنَمَا الذِّكْرُ عَامٌّ عَادَةً لِجَمِيعِ أَشْكَالِ التَّذَكُّرِ، يَكُونُ التَّسْبِيحُ شَكْلًا خَاصًّا مِنَ الذِّكْرِ بِمُحْتَوَى التَّعْظِيمِ وَالتَّمْجِيدِ (الْقُرْطُبِيُّ، ٢٠٠٦). يَحْمِلُ ذِكْرُ الْأَوْقَاتِ بُكْرَةً (صَبَاحًا) وَأَصِيلًا (مَسَاءً) أَبْعَادًا رَمْزِيَّةً وَعَمَلِيَّةً. عَمَلِيًّا، يَخْلُقُ إِيقَاعًا يَوْمِيًّا لِلْعِبَادَةِ يُؤَطِّرُ بَدَايَةَ الْأَنْشِطَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَنِهَايَتَهَا بِوَعْيٍ مُتَعَالٍ (شِيمِل، ١٩٩٤).

يُفَسِّرُ الْمُفَسِّرُونَ التَّقْلِيدِيُّونَ أَنَّ بُكْرَةً تَشْمَلُ الْوَقْتَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى قَبْلَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ (الضُّحَى)، بَيْنَمَا أَصِيلًا تَشْمَلُ الْوَقْتَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (ابْنُ كَثِيرٍ، ١٩٩٩). وَبِذَلِكَ تُصْبِحُ هَاتَانِ الْوَقْتَانِ فَاتِحَتَيْنِ وَمُغْلِقَتَيْنِ لِلنَّهَارِ بِنُورِ الذِّكْرِ. وَلَكِنْ، رَمْزِيًّا، تُمَثِّلُ “الصَّبَاحُ” وَ”الْمَسَاءُ” دَوْرَةَ الزَّمَنِ كُلَّهَا. يَقُولُ الرَّازِيُّ (١٩٨١) فِي “مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ” أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ يُشِيرُ إِلَى وُجُوبِ مَلْءِ الْوَقْتِ كُلِّهِ بِالتَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ، لِأَنَّ الصَّبَاحَ وَالْمَسَاءَ طَرَفَا النَّهَارِ، وَبِمَلْءِ طَرَفَيْهِ، يَمْتَلِئُ الْجُزْءُ كُلُّهُ بَيْنَهُمَا. هَذَا يُوَافِقُ مَفْهُومَ الِاسْتِمْرَارِيَّةِ (الدَّوَامِ) فِي الذِّكْرِ.

يَعْمَلُ هَذَا النِّظَامُ الرُّوْحِيُّ كَتَزْكِيَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لِلنَّفْسِ. كُلَّمَا انْغَمَسَ الْإِنْسَانُ فِي أَنْشِطَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ قَدْ تُلَوِّثُ الْقَلْبَ، يَعْمَلُ التَّسْبِيحُ صَبَاحًا وَمَسَاءً كَإِعَادَةِ ضَبْطٍ رُوْحِيٍّ تُعِيدُ التَّوْجُّهَ إِلَى اللهِ (الْغَزَالِيُّ، ٢٠٠٨). قَدْ أَتَى النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِأَمْثِلَةٍ عَلَى ذِكْرِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (صَحِيحُ مُسْلِمٍ، ٢٠٠٦). يُحَوِّلُ هَذَا الْإِيقَاعُ الزَّمَنَ مِنْ مُجَرَّدِ وَحْدَةٍ فِيزِيَائِيَّةٍ إِلَى وَسِيطٍ لِلْعِبَادَةِ وَالصُّعُودِ الرُّوْحِيِّ.

٣. رَحْمَةُ اللهِ وَدَوْرُ الْمَلَائِكَةِ وَالتَّحَوُّلُ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: ٤٣)

تَكْشِفُ الْآيَةُ ٤٣ النَّتِيجَةَ الإِلَاهِيَّةَ وَالْبُعْدَ الْكَوْنِيَّ لِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (الْقُرْآنُ، ٣٣: ٤٣). تُعْتَبَرُ الْعِبَارَةُ يُصَلِّي عَلَيْكُمْ تَعْبِيرًا لَاهُوتِيًّا مُهِمًّا. تَعْنِي كَلِمَةُ صَلَّى فِي سِيَاقِ اللهِ إِنْزَالَ الرَّحْمَةِ وَالْإِكْرَامِ وَالثَّنَاءِ (ابْنُ عَاشُورٍ، ١٩٨٤). لِذَلِكَ، فَاللهُ نَفْسُهُ هُوَ الَّذِي يَمْنَحُ رَحْمَتَهُ خَاصَّةً لِلْعَبْدِ الَّذِي يَشْتَغِلُ بِالذِّكْرِ. هَذِهِ لَيْسَتْ رَحْمَةً عَامَّةً، بَلْ نِعْمَةٌ فَعَّالَةٌ وَاهْتِمَامٌ خَاصٌّ يُرَافِقُ عَمَلِيَّةَ ذِكْرِ الْعَبْدِ.

وَمِنَ الْفَرِيدِ أَنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ تُرَافِقُهُ مُشَارَكَةُ الْمَلَائِكَةِ: وَمَلَائِكَتُهُ. تُصَلِّي الْمَلَائِكَةُ أَيْضًا عَلَى الْمُؤْمِنِ، الَّذِي يُفَسَّرُ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ (الطَّبَرِيُّ، ٢٠٠١). فِي حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ يُذْكَرُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ وَعَلَى الْمُؤَذِّنِينَ يُؤَجِّرُونَ» (مُسْنَدُ أَحْمَدَ، ٢٠٠١). يُشِيرُ هَذَا الِاشْتِرَاكُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ الرُّوْحِيَّةَ لِلْمُشْتَغِلِينَ بِالذِّكْرِ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي الْبَشَرِ بَلْ تَشْمَلُ عَالَمَ الْمَلَكُوتِ. يُصْبِحُونَ شُهَدَاءَ وَدُعَمَاءَ وَوَسَائِطَ لِلرَّحْمَةِ فِي الرِّحْلَةِ الرُّوْحِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ (شِتِك، ١٩٨٩).

يُذْكَرُ هَدَفُ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ كُلِّهَا بِصَرَاحَةٍ: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. الظُّلُمَاتُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، بَيْنَمَا النُّورُ بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ. هَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ طَرِيقَ الْخُرُوجِ مِنَ الْحَيرَةِ وَالضَّلَالِ وَالْخَطِيئَةِ وَالْجَهْلِ وَالْيَأْسِ – وَكُلُّهَا ظُلُمَاتٌ – وَاحِدٌ، أَلَا وَهُوَ نَحْوَ النُّورِ الْوَاحِدِ لِلْحَقِّ وَالْهُدَى وَالسَّكِينَةِ مِنَ اللهِ (الْقُرْطُبِيُّ، ٢٠٠٦). يَعْمَلُ الذِّكْرُ كَمَرْكَبٍ (مَرْكَبٍ) لِهَذِهِ الْهِجْرَةِ الْوُجُودِيَّةِ. كُلَّمَا انْشَغَلَ الْقَلْبُ بِالذِّكْرِ، يَسْحَبُ نَفْسَهُ مِنْ ظُلْمَةِ الْغَفْلَةِ نَحْوَ نُورِ الْوَعْيِ الإِلَهِيِّ (الْجِيلِيُّ، ١٩٩٧). تَنْتَهِي الْآيَةُ بِتَأْكِيدِ صِفَةِ اللهِ: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، وَهُوَ مَا يَضْمَنُ أَنَّ بَدْءَ هَذَا التَّحَوُّلِ يَنْبَثِقُ مِنْ رَحْمَتِهِ السَّابِقَةِ، لَا مِنْ جُهْدِ الْإِنْسَانِ فَحَسْبُ.

٤. السَّلَامُ الإِلَهِيُّ كَثَوَابٍ أُخْرَوِيٍّ أَعْلَى (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: ٤٤)

يُصَوَّرُ ذُرْوَةُ عَمَلِيَّةِ التَّحَوُّلِ الرُّوْحِيِّ الَّتِي تَبْدَأُ بِالذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا فِي أَجْوَاءِ الْآخِرَةِ فِي الْآيَةِ ٤٤: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (الْقُرْآنُ، ٣٣: ٤٤). تَتَحَدَّثُ هَذِهِ الْآيَةُ عَنْ لَحْظَةِ اللِّقَاءِ الْحَقِيقِيِّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ فِي الْآخِرَةِ. تَحِيَّتُهُمْ هُوَ شَكْلُ التَّرْحِيبِ وَالتَّكْرِيمِ. الْكَرَامَةُ الْمَمْنُوحَةُ هِيَ كَلِمَةُ سَلَامٌ، الَّتِي تَعْنِي السَّلَامَ وَالْأَمْنَ وَالسَّلَامَةَ، وَهِيَ أَيْضًا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى (ابْنُ كَثِيرٍ، ١٩٩٩).

مَعْنَاهَا اللَّاهُوتِيُّ عَمِيقٌ جِدًّا. أَوَّلًا، “السَّلَامُ” تَحِيَّةُ اللهِ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، وَهِيَ أَعْلَى كَرَامَةٍ مِنَ الْمَلِكِ الْأَعْلَى. فِي حَدِيثٍ يُصَوَّرُ: «إِنَّ اللَّهَ يُؤْتِي بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا عَرَفَ أَنَّهُ قَدِ اعْتَرَفَ بِذُنُوبِهِ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» (صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، ٢٠٠٢). ثَانِيًا، “السَّلَامُ” هُوَ أَيْضًا الْحَالُ الْأَبَدِيُّ الَّذِي سَيُتَنَعَّمُ بِهِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (الْقُرْآنُ، ١٠: ١٠).

يَكُونُ هَذَا اللِّقَاءُ (يَلْقَوْنَهُ) تَحْقِيقًا لِأَعْمَقِ شَوْقٍ رُوْحِيٍّ لِلْمُؤْمِنِ، كَمَا فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ» (سُنَنُ النَّسَائِيِّ، ٢٠٠٦). هَذَا هُوَ التَّحَوُّلُ الْأَخِيرُ مِنْ مَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَغِلِ بِالذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا إِلَى ضَيْفٍ مُكَرَّمٍ يُرَحَّبُ بِهِ بِـ”السَّلَامِ” الإِلَهِيِّ فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا الثَّوَابُ الْآخَرُ الْمَذْكُورُ، أَجْرًا كَرِيمًا، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ لَذَّائِذِ الْجَنَّةِ الَّتِي لَا تُتَصَوَّرُ، وَكُلُّهَا تَنْتَهِي إِلَى رِضْوَانِ اللهِ كَذُرْوَةِ السَّعَادَةِ (الْمَاوَرْدِيُّ، د.ت). وَبِذَلِكَ تُكَوِّنُ سِلْسِلَةُ الْآيَاتِ ٤١-٤٤ رِوَايَةً كَامِلَةً: مِنَ الْأَمْرِ بِالِاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا، مَصْحُوبًا بِالرَّحْمَةِ وَالْمُسَاعَدَةِ الْمَلَائِكِيَّةِ لِعَمَلِيَّةِ التَّحَوُّلِ، إِلَى الْاِنْتِهَاءِ بِتَرْحِيبٍ كَرِيمٍ وَثَوَابٍ فِي الْآخِرَةِ.

٥. انْعِكَاسَاتُ الذِّكْرِ الرُّوْحِيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ فِي إِطَارِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٤)

يُوَلِّدُ الْفَهْمُ الشَّامِلُ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ انْعِكَاسَاتٍ عَمِيقَةٍ عَلَى الْحَيَاةِ الرُّوْحِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ لِلْمُؤْمِنِ. أَوَّلًا، رُوْحِيًّا، يَعْمَلُ الذِّكْرُ كَعِلَاجٍ رُوْحِيٍّ (الْعِلَاجِ الرُّوْحِيِّ) يُهَدِّئُ الْقَلْبَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الْقُرْآنُ، ١٣: ٢٨). هَذِهِ السَّكِينَةُ هِيَ الثَّمَرَةُ الْمُبَاشِرَةُ لِلْوَعْيِ بِحُضُورِ وَرَحْمَةِ اللهِ، وَاشْتِرَاكِ الْمَلَائِكَةِ فِي حَيَاةِ الْمَرْءِ الْبَاطِنِيَّةِ. تَبْنِي مُمَارَسَةُ الذِّكْرِ الْمُسْتَمِرَّةُ الْمَقَاوَمَةَ الرُّوْحِيَّةَ فِي مُوَاجَهَةِ اخْتِبَارَاتِ الْحَيَاةِ (مُرَاتَا وَشِتِك، ١٩٩٤).

ثَانِيًا، لَيْسَ التَّحَوُّلُ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ فَرْدِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ لَهُ بُعْدٌ اجْتِمَاعِيٌّ. سَيُنِيرُ الشَّخْصُ الَّذِي يُنِيرُ قَلْبَهُ بِنُورِ الذِّكْرِ الْأَخْلَاقَ الْكَرِيمَةَ وَالصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ وَالرَّحْمَةَ فِي تَفَاعُلَاتِهِ الاجْتِمَاعِيَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ، وَكِيرِ الْحَدَّادِ» (صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، ٢٠٠٢). الشَّخْصُ الَّذِي يَشْتَغِلُ كَثِيرًا بِالذِّكْرِ يُشْبِهُ “بَائِعَ الطِّيبِ” الرُّوْحِيَّ الَّذِي يَجْلِبُ الْخَيْرَ لِبِيئَتِهِ.

ثَالِثًا، فِي سِيَاقِ الْحَيَاةِ الْحَدِيثَةِ الْمُمْتَلِئَةِ بِالِشَّتَاتِ وَالسُّرْعَةِ وَالْمَادِّيَّةِ، يُصْبِحُ نِظَامُ الذِّكْرِ صَبَاحًا وَمَسَاءً حِصْنًا لِلذَّاتِ لِلْحِفَاظِ عَلَى التَّوَازُنِ وَالْمَعْنَى. يُصْبِحُ لَحْظَةَ تَخْلِصٍ رُوْحِيٍّ مِنَ التَّقْنِيَّةِ لِإِعَادَةِ تَوْجِيهِ الْقَلْبِ نَحْوَ الْحَقِيقَةِ الْعُلْيَا. تُشْعَرُ صِلَةُ هَذِهِ الْآيَاتِ بِقُوَّةٍ كَتَرِيَاقٍ لِأَمْرَاضِ الْعَصْرِ مِثْلَ الْقَلَقِ وَالْإِكْئَابِ وَالْفَرَاغِ النَّابِعِ مِنَ الْانْفِصَالِ عَنْ مَصْدَرِ الْمَعْنَى (فْرُوم، ١٩٥٠).

خَاتِمَةٌ

تَكْشِفُ الدِّرَاسَةُ الْمَوْضُوعِيَّةُ لِسُورَةِ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٤) عَنْ أَسَاسٍ لَاهُوتِيٍّ رَصِينٍ وَخَارِطَةِ طَرِيقٍ وَاضِحَةٍ لِلتَّحَوُّلِ الرُّوْحِيِّ لِلْمُؤْمِنِ. لَيْسَ الذِّكْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ مُجَرَّدَ نَشَاطٍ آلِيٍّ أَوْ طَقْسِيٍّ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ لِإِحْدَاثِ وَعْيٍ وُجُودِيٍّ مُسْتَمِرٍّ (الْوَعْيِ الْوُجُودِيِّ). مِنْ خِلَالِ الذِّكْرِ “الْكَثِيرِ” وَالْمُرْتَبِطِ بِالزَّمَنِ (بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، يَجْذِبُ الْمُؤْمِنُ رَحْمَةَ اللهِ وَيَشْمَلُ الدَّعْمَ الْكَوْنِيَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. يُيَسِّرُ هَذَا الدَّعْمُ عَمَلِيَّةَ التَّطَوُّرِ الرُّوْحِيِّ: خُرُوجَ النَّفْسِ مِنْ تَعَدُّدِ الظُّلُمَاتِ (الْجَهْلِ، الْخَطِيئَةِ، الْغَفْلَةِ) نَحْوَ وَحْدَةِ النُّورِ (الْعِلْمِ، الْمَغْفِرَةِ، الْوَعْيِ). تَبْلُغُ هَذِهِ الرِّحْلَةُ ذُرْوَتَهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ خِلَالِ اللِّقَاءِ مَعَ اللهِ، الَّذِي يُرَحَّبُ بِهِ بِـ”السَّلَامِ”، كَرَامَةً إِلَاهِيَّةً هِيَ ذُرْوَةُ كُلِّ شَوْقٍ رُوْحِيٍّ.

وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ، يَجِبُ أَنْ يُؤَطَّرَ حَيَاةُ الْمُؤْمِنِ بِإِيقَاعِ الذِّكْرِ الَّذِي يُحَوِّلُ إِدْرَاكَ الزَّمَنِ، وَيُوَسِّعُ جَمَاعَتَهُ الرُّوْحِيَّةَ لِتَشْمِلَ عَالَمَ الْمَلَائِكَةِ، وَيُوَجِّهُ جَمِيعَ أَهْدَافِ حَيَاتِهِ نَحْوَ لِقَاءٍ مُسَالِمٍ مَعَ الْحَبِيبِ. فِي الْعَالَمِ الْمُعَاصِرِ، تُقَدِّمُ هَذِهِ الْفِكْرَةُ نَمُوذَجًا لِحَيَاةٍ مُتَكَامِلَةٍ، حَيْثُ لَا تَنْفَصِلُ الرُّوْحَانِيَّةُ عَنِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ، بَلْ هِيَ بِالْعَكْسِ مَصْدَرُ مَعْنَى وَسَكِينَةٍ وَأَخْلَاقٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُحَوِّلَةٍ. وَبِذَلِكَ، تَبْقَى سُورَةُ الْأَحْزَابِ (٣٣: ٤١-٤٤) دَلِيلًا ذَا صِلَةٍ وَنُورًا يُنِيرُ الطَّرِيقَ الرُّوْحِيَّ لِلْإِنْسَانِ فِي كُلِّ عَصْرٍ.

الْمَرَاجِعُ

الْبُخَارِيُّ، م. ب. إ. (٢٠٠٢). صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (م. ز. ن. النَّاصِرُ، مُحَرِّرٌ). دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ.

الْجِيلِيُّ، ع. ك. (١٩٩٧). الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَوَاخِرِ وَالْأَوَائِلِ. دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ.

الْغَزَالِيُّ، أ. ح. م. (٢٠٠٨). إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ. دَارُ الْمِنْهَاجِ.

الْمَاوَرْدِيُّ، أ. الْح. ع. (د.ت). النُّكَتِ وَالْعُيُونِ: تَفْسِيرُ الْمَاوَرْدِيِّ. دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ.

الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.

الْقُرْطُبِيُّ، م. ب. أ. (٢٠٠٦). الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ (ع. ع. التُّرْكِيُّ، مُحَرِّرٌ). مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ.

الْقُشَيْرِيُّ، ع. ك. (٢٠٠٧). الرِّسَالَةُ الْقُشَيْرِيَّةُ (م.ع. الْبَابِلِيُّ، مُحَرِّرٌ). دَارُ الْحَدِيثِ.

الرَّازِيُّ، ف. الدِّينِ. (١٩٨١). مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ (التَّفْسِيرُ الْكَبِيرُ). دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ.

الطَّبَرِيُّ، م. ب. ج. (٢٠٠١). جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ (ع. ع. التُّرْكِيُّ، مُحَرِّرٌ). دَارُ هَجَرٍ.

أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. (٢٠٠١). مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (ش. الْعَرْنَاؤُطُ، مُحَرِّرٌ). مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ.

شِتِك، و. س. (١٩٨٩). طَرِيقُ الْعَارِفِ: مَابَعْدَ الطَّبِيعَةِ عِنْدَ ابْنِ عَرَبِيٍّ. دَارُ نَشْرِ دَوْلَةِ نِيُويُورِكَ.

الزَّيْنُ، أ. ح. (٢٠٠٠). الِاسْتِهْلَاكُ الرُّوْحِيُّ فِي الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ: ظَاهِرَةُ الرُّومِيِّ. الْمَجَلَّةُ الدَّوْلِيَّةُ لِلسِّيَاسَةِ وَالثَّقَافَةِ وَالْمُجْتَمَعِ، ١٤(١)، ١٩١–٢٠٤.

فْرُوم، إ. (١٩٥٠). الْتَحْلِيلُ النَّفْسِيُّ وَالدِّينُ. دَارُ نَشْرِ يُيلَ.

ابْنُ عَاشُورٍ، م. الطَّاهِرِ. (١٩٨٤). التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ. الدَّارُ التُّونِسِيَّةُ لِلنَّشْرِ.

ابْنُ كَثِيرٍ، إ. ع. (١٩٩٩). تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (س. السَّافِي، مُحَرِّرٌ). دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.

ابْنُ مَنْظُورٍ، م. ب. م. (د.ت). لِسَانُ الْعَرَبِ. دَارُ صَادِرٍ.

مُرَاتَا، س.، وَشِتِك، و. س. (١٩٩٤). رُؤْيَةُ الْإِسْلَامِ. دَارُ نَشْرِ بَارَاجُونِ.

مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ. (٢٠٠٦). صَحِيحُ مُسْلِمٍ (م. ف. عَبْدُ الْبَاقِي، مُحَرِّرٌ). دَارُ إِحْيَاءِ الْكُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ.

النَّسَائِيُّ، أ. ع. ر. (٢٠٠٦). السُّنَنُ الْكُبْرَى (ح. ع. الْمَدَنِيُّ، مُحَرِّرٌ). مَكْتَبَةُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ.

نَصْرٌ، س. ح. (٢٠١٥). دِرَاسَةُ الْقُرْآنِ: تَرْجَمَةٌ وَشَرْحٌ جَدِيدٌ. دَارُ نَشْرِ هَارْبِرْ وَان.

صَقْر، ع. (١٩٨٧). التَّفْسِيرُ الْمَوْضُوعِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. دَارُ التَّأْلِيفِ.

شِيمِل، أ. (١٩٩٤). فَكُّ رَمُوزِ اللهِ: مَقَارَبَةٌ ظَوَاهِرِيَّةٌ لِلْإِسْلَامِ. دَارُ نَشْرِ دَوْلَةِ نِيُويُورِكَ.

Tinggalkan Balasan

Alamat email Anda tidak akan dipublikasikan. Ruas yang wajib ditandai *