بقلم: الدكتور عبد الودود نفيس
تحتلّ الأسرة مكانةً أساسيةً ومحوريةً في تعاليم الإسلام، فهي ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل مؤسسة مقدّسة تُنشأ فيها العقيدة، والأخلاق، والحضارة. ومن ثمّ، فإن بناء الأسرة السعيدة في المنظور الإسلامي لا يقتصر على تحقيق السعادة الدنيوية فحسب، بل يهدف كذلك إلى نيل السلامة والبركة في الدنيا والآخرة.
ينظر الإسلام إلى الزواج على أنه السبيل لتحقيق السكينة (السكن)، والمودة، والرحمة. وقد أكّد القرآن الكريم ذلك ببيانه أن الله تعالى خلق الأزواج ليجد الإنسان فيهم الطمأنينة، وجعل بينهم المودة والرحمة. وتشكل مفاهيم السكينة والمودة والرحمة الأساسَ الرئيسَ للأسرة السعيدة في الإسلام.
وتتحقق الأسرة السكنية عندما تقوم العلاقة بين الزوج والزوجة على الإيمان والتقوى لله سبحانه وتعالى. فالإيمان يُعدّ بوصلةً أخلاقيةً توجّه السلوك والقرارات وتحمل المسؤوليات لدى كل من الزوجين. ويُنظر إلى الزوج بوصفه قائد الأسرة والمسؤول عن النفقة والحماية والقدوة الحسنة، في حين تؤدي الزوجة دور الشريك المكمّل والحافظ على استقرار الحياة الأسرية وانسجامها. وهذه العلاقة ليست علاقة تسلّط أو هيمنة، بل شراكة تقوم على العدل والاحترام المتبادل.
ومن المنظور الإسلامي، يُعدّ حسن التواصل جزءًا من مكارم الأخلاق. ويُحثّ الزوجان على التشاور في معالجة شؤون الأسرة، والتحلّي باللين في القول، والابتعاد عن الخشونة والأذى المتبادل. وقد ضرب رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في تعامله مع أهله بالمحبة والصبر والتعاطف، حتى تكون الأسرة واحة سكينة وطمأنينة، لا مصدرًا للنزاع والخلاف.
ومن الجوانب المهمة الأخرى في بناء الأسرة السعيدة تربية الأبناء. فقد أكّد الإسلام أن الأبناء أمانة يجب رعايتها وتوجيهها توجيهًا متكاملًا، لا يقتصر على الجانب العقلي فحسب، بل يشمل الجانب الروحي والأخلاقي كذلك. ويتحمّل الوالدان مسؤولية غرس قيم التوحيد، ومكارم الأخلاق، وحبّ العبادة في نفوس الأبناء منذ الصغر. إن البيئة الأسرية المتديّنة، القائمة على القدوة الحسنة، تسهم في تكوين شخصية الأبناء الصالحين المتوازنين.
كما يعلّم الإسلام أهمية الصبر والتسامح المتبادل في مواجهة تحديات الحياة الأسرية. فلا تخلو أي أسرة من الابتلاءات، غير أن الأسرة التي تقوم على تعاليم الإسلام تنظر إلى هذه الابتلاءات على أنها وسيلة لتهذيب الإيمان ونضجه. وإن الاستعداد للعفو، وكظم الغيظ، والرجوع إلى القيم الدينية، هو المفتاح للحفاظ على الانسجام الأسري.
وعليه، فإن بناء الأسرة السعيدة في المنظور الإسلامي هو مسار متواصل يتطلب الالتزام والإخلاص والتقوى. وعندما تُفعّل القيم الإسلامية في حياة الأسرة—عبادةً، وأخلاقًا، وتعاملًا يوميًّا—تصبح الأسرة ليس مجرد مأوى مادي، بل مصدرًا للسكينة النفسية، وميدانًا للأعمال الصالحة التي تجلب بركة الله سبحانه وتعالى
