بقلم الدكتور عبد الودود نفيس
الفصل الأول: مقدمة
١-١ خلفية
تُعَدُّ منطقة جنوب شرق آسيا موطناً لأكبر تجمُّع سكاني مُسلم في العالم، حيث يبلغ عددهم حوالي ٢٤٠ مليون نسمة، أي ما نسبته ٤٢٪ من إجمالي السكان المُسلمين عالمياً (مركز بيو للأبحاث، ٢٠١٧). لم ينشأ الإسلام في هذه المنطقة في فراغ، بل اندمج وانصهر مع الثقافات المحلية الغنية، مما أنتج طابعاً إسلامياً مُميزاً يتسم بالتسامح والمرونة والتكيف (عزرة، ٢٠١٩). ومع ذلك، وراء النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي النسبي، تواجه جنوب شرق آسيا تحديات متعددة الأبعاد خطيرة. فالفقر الهيكلي، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الموارد، وتدهور البيئة تُمثِّل تهديدات حقيقية لاستدامة حياة المجتمعات، بما فيها المجتمعات المُسلمة (البنك الدولي، ٢٠٢٢).
تُقدِّم الأمم المتحدة من خلال أهداف التنمية المستدامة إطاراً عالمياً لمواجهة هذه المشكلات. إلا أن هذا الإطار يُنظر إليه غالباً على أنه علماني ولا يُلامس الجانب الروحي للمجتمعات بشكل كاف (ساكس، ٢٠١٥). وهنا تكمن أهمية استنباط مفهوم التنمية المستدامة من منظور إسلامي؛ ففي التعاليم الإسلامية، التنمية ليست مجرد نمو مادي، بل هي أيضاً توازن بيئي وعدالة اجتماعية تنبع من قيمة التوحيد (شابرا، ٢٠١٦). وعليه، فإن دراسة دمج القيم الإسلامية في أجندة التنمية المستدامة بجنوب شرق آسيا لا تُمثِّل أهمية فحسب، بل هي ضرورة مُلحَّة.
١-٢ صياغة المشكلة
بناءً على الخلفية المذكورة آنفاً، تُقدِّم هذه الورقة ثلاث إشكاليات رئيسية:
أولاً: ما خصائص المجتمعات المسلمة في جنوب شرق آسيا عبر مسارها التاريخي والاجتماعي؟
ثانياً: كيف يُصاغ مفهوم التنمية المستدامة في إطار المعرفة الإسلامي، ولا سيما من خلال منهج مقاصد الشريعة؟
ثالثاً: ما مساهمة وتطبيق القيم الإسلامية في دعم التنمية المستدامة في هذه المنطقة، وما التحديات التي تواجهها؟
١-٣ أهداف الكتابة
تتسم أهداف هذه الكتابة بالطابع النظري والتطبيقي معاً. نظرياً، تهدف الورقة إلى وصف وتحليل دور الإسلام في تشكيل شخصية مجتمعات جنوب شرق آسيا وعلاقتها بالتنمية. تحليلياً، تسعى هذه الكتابة إلى دمج مبدأ مقاصد الشريعة في إطار التنمية المستدامة. تطبيقياً، تحدِّد الورقة أفضل الممارسات والتحديات التي تواجه تطبيق القيم الإسلامية في سياسات التنمية في إندونيسيا وماليزيا وبروناي دار السلام.
١-٤ فوائد الكتابة
تكمن الفائدة النظرية لهذه الورقة في إثراء خزانة الدراسات الإسلامية الإقليمية ودراسات التنمية المستدامة التي لا تزال تهيمن عليها وجهات النظر الغربية. أما فائدتها التطبيقية، فتتمثل في كونها مادة للتأمل لدى القائمين على مؤسسات العمل الخيري الإسلامي، ومشايخ المعاهد الإسلامية (البسانترين)، والناشطين البيئيين في المساجد. وفيما يخص الفائدة السياساتية، يُرجى من هذه الورقة أن تُسهم في تقديم مدخلات للحكومات والهيئات التشريعية عند صياغة سياسات تنموية مراعية للقيم الإسلامية والحكمة المحلية.
١-٥ منهجية الكتابة
يُمثل هذا البحث دراسة مكتبية بمنهج نوعي وصفي وتحليلي تفسيري. مصدر البيانات الأساسي مستمد من القرآن الكريم، والحديث الشريف، وكتب التراث، ووثائق السياسات الرسمية للدول. أما المصادر الثانوية فتشمل الكتب، والدوريات العلمية، وتقارير المؤسسات الدولية، والمقالات الصحفية من وسائل الإعلام البارزة في جنوب شرق آسيا. تستخدم تقنية تحليل البيانات تحليل المحتوى وتحليل الخطاب النقدي لكشف الأيديولوجيات الكامنة خلف النصوص والسياسات (فيركلاف، ٢٠١٣). تُنظَّم جميع البيانات بشكل موضوعي وتُعرَض في سرد علمي منهجي.
الفصل الثاني: الإسلام وديناميكيات المجتمع في جنوب شرق آسيا
٢-١ تاريخ دخول الإسلام وتطوره في جنوب شرق آسيا
دخل الإسلام إلى جنوب شرق آسيا ليس عن طريق السيف، بل عبر التجارة والتصوف. لم يحمل التجار المسلمون من كجرات وبلاد فارس والجزيرة العربية الذين رست سفنهم في موانئ سومطرة وجاوة وملقا البضائع فحسب، بل حملوا أيضاً قيماً روحية تسربت إلى المجتمع دون مقاومة تذكر (ريكليفز، ٢٠٠٨). سارت عملية الأَسْلَمَة بشكل تدريجي وسلمي وتثاقفي. استخدم الأولياء والمبلِّغون الأوائل، مثل ولي سونغو في جاوة، وسائل الثقافة المحلية – كعرائس الظل (الوايانغ)، وآلة الغاميلان، وتقليد حفلات السلامة – كوسائل للدعوة، فلم يظهر الإسلام كدين غريب، بل كمكمِّل للتقاليد القائمة (عزرة، ٢٠١٩). جعل هذا النجاح من جنوب شرق آسيا المنطقة الوحيدة خارج الشرق الأوسط التي اعتنقت الإسلام جماعياً دون فتوحات عسكرية.
٢-٢ خصائص الإسلام المعتدل والوسطي
يُعرف طابع الإسلام في جنوب شرق آسيا بالإسلام الأرخبيلي أو الإسلام المعتدل، المرادف لمبادئ التوسط والموازنة والتسامح (هيفنر، ٢٠١١). لم تنشأ هذه الخصيصة فجأة، بل هي نتاج جدلية طويلة بين النص المقدس والسياق المحلي. في مجال الفقه مثلاً، يميل علماء جنوب شرق آسيا إلى المذهب الشافعي المعروف بمرونته تجاه العرف ما لم يتعارض مع النص. وفي مجال التصوف، كان تأثير الغزالي وابن عربي قوياً، حيث يؤكدان على التناغم بين الشريعة والحقيقة، وبين العلاقة العمودية مع الله والأفقية مع سائر المخلوقات (فينر، ٢٠٢٠). يُشكِّل هذا الطابع المعتدل رصيداً اجتماعياً ثميناً في الاستجابة للقضايا الوطنية والإنسانية المعاصرة.
٢-٣ البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المسلمة
يمتلك المجتمع المسلم في جنوب شرق آسيا بنية اجتماعية معقدة وهرمية، لكنها تبقى مرنة. في إندونيسيا مثلاً، ليس التقسيم الطبقي الاجتماعي صارماً كنظام الطبقات في الهند، لذا فإن الحراك الاجتماعي مرتفع نسبياً (غيرتز، ١٩٦٠). تُعد ثقافة التكافل والتعاون والتشاور سمات مميزة تنسجم مع قيم العدل والمساواة في الإسلام. لا تزال التقاليد الدينية مثل الحلال بالحلال، وزيارة القبور، والاحتفال بالمولد النبوي قائمة على الرغم من انتقاد الجماعات التطهيرية لها باعتبارها بدعاً. إن مقاومة حركات التطهر هذه تعزز في الواقع الهوية الإسلامية الشاملة والمرنة (فان بروينسن، ٢٠١٨). لذا، عندما تتبنى التنمية المستدامة مشاركة المجتمعات الشعبية، فإن هذه الأسس الثقافية تُعد أصلاً لا يُقدر بثمن.
٢-٤ دور العلماء والمنظمات الدينية
ليس العلماء في جنوب شرق آسيا مجرد ورثة الأنبياء، بل هم أيضاً وكلاء تغيير اجتماعي. على سبيل المثال، لا تدير نهضة العلماء ومحمدية في إندونيسيا شؤون التعليم والصحة فحسب، بل تنشط أيضاً في مناصرة السياسات العامة (هيفنر، ٢٠١١). في ماليزيا، يتعاون العلماء التقليديون والحداثيون في إطار السلطنة والأحزاب السياسية، رغم التوترات الأيديولوجية التي تنشأ أحياناً (ليو، ٢٠٠٩). وفي بروناي، يُشكِّل العلماء جزءاً لا يتجزأ من البيروقراطية الحكومية مع سيطرة كاملة على المناهج الدينية. تكمن قوة هؤلاء العلماء في الشرعية الأخلاقية التي يتمتعون بها في أعين الأمة، لذا فإن فتاواهم وآراءهم بالغة التأثير في تشكيل الرأي العام، بما في ذلك قضايا البيئة والاقتصاد.
٢-٥ الإسلام والتحول الاجتماعي
لا يمكن فصل التحول الاجتماعي في جنوب شرق آسيا عن دور الإسلام. ففي مطلع القرن العشرين، كانت الحركات المناهضة للاستعمار تُقاد إلى حد كبير منظمات إسلامية مثل اتحاد الإسلام (ساريكات إسلام) وحزب الوطن (ريكليفز، ٢٠٠٨). وبعد الاستقلال، ظل الإسلام قوة أخلاقية تدفع نحو توزيع عادل للاقتصاد والديمقراطية. وفي عصر الإصلاح بإندونيسيا، أصبحت الجماعات الإسلامية المعتدلة في الطليعة المدافعة عن حقوق الأقليات وحرية الدين (هيفنر، ٢٠١١). صحيح أن التناقضات وقعت بظهور جماعات راديكالية تتبنى الشكلانية الشرعية، لكنها كمياً أقلية ولم تجد مكاناً لها في قلوب غالبية مسلمي الأرخبيل المحبين للسلام.
الفصل الثالث: مفهوم التنمية المستدامة في المنظور الإسلامي
٣-١ تعريف التنمية المستدامة
تُعَرَّف التنمية المستدامة بأنها التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها الخاصة (اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، ١٩٨٧). يشمل هذا المفهوم ثلاث ركائز رئيسية: الاقتصاد، والمجتمع، والبيئة. لكن نقد المفكرين المسلمين لهذا المفهوم لا ينصب على أهدافه، بل على أساسه الفلسفي الأنثروبومركزي (الإنساني المركز) والعلماني (نصر، ٢٠١٠). يقدم الإسلام أساساً أكثر شمولية، هو التوحيد، الذي يؤكد أن الكون ملك لله تعالى، وأن الإنسان ليس سوى حامل أمانة، وليس مالكاً مطلقاً.
٣-٢ مبدأ مقاصد الشريعة والرفاهية
تُشكِّل مقاصد الشريعة، أو أهداف الشريعة، إطاراً فلسفياً لقياس رفاهية الإنسان بشكل شامل (الشاطبي، د.ت.). إن العناصر الخمسة الأساسية الواجب حفظها – الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال – لها مرادفات مباشرة مع أهداف التنمية المستدامة. فحفظ الدين يتوافق مع حرية المعتقد، وحفظ النفس يتوافق مع الصحة والسلامة، وحفظ العقل يطابق التعليم الجيد، وحفظ النسل يرتبط بالمساواة بين الجنسين ورفاهية الأسرة، وحفظ المال يتقاطع مع النمو الاقتصادي الشامل ومكافحة الفساد (عودة، ٢٠٠٨).
٣-٣ مفهوم الخليفة والمسؤولية البيئية
كثيراً ما يُساء فهم مفهوم الخليفة في القرآن (سورة البقرة: ٣٠) على أنه ترخيص لاستغلال الطبيعة. بينما في التفسير الكلاسيكي والمعاصر، تعني الخلافة في الحقيقة المسؤولية والإدارة الأخلاقية (شهاب، ٢٠١٧). ليس الإنسان أكثر من مدير يجب أن يتحمل مسؤولية أمانته أمام خالقها ومودعها. في سياق أزمة المناخ الحالية، يُصبح إعادة تفسير مفهوم الخليفة أمراً بالغ الأهمية. يدعو علماء معاصرون مثل سيد حسين نصر (٢٠١٠) إلى جهاد بيئي، أي كفاح مقدس لحماية الأرض من الدمار الذي يسببه جشع الإنسان وإهماله.
٣-٤ العدالة الاجتماعية في الإسلام
العدالة الاجتماعية هي صميم التعاليم الإسلامية. ينهى القرآن بشدة عن اكتناز الثروة (سورة التوبة: ٣٤) ويوجب توزيع المال من خلال الزكاة والإنفاق والصدقة والميراث (سورة الحشر: ٧). في السياق الحديث، لم تنشأ مؤسسات التمويل الإسلامي لتلبية احتياجات السوق فحسب، بل أيضاً كأدوات للعدالة الهيكلية (شابرا، ٢٠١٦). بدون عدالة، تكون التنمية مجرد نمو زائف يخلق جيوباً من الرخاء في محيط من الفقر.
٣-٥ الاقتصاد الإسلامي والتنمية المستدامة
غالباً ما يُختزل الاقتصاد الإسلامي في مجرد مصرفية بلا فوائد وأسواق مالية إسلامية. بينما على المستوى المعياري، يهدف الاقتصاد الإسلامي إلى خلق الفلاح (النصر/السعادة) ذي الطبيعة المادية-الروحية، والفردية-الجماعية، والدنيوية-الأخروية (كحف، ٢٠١٩). إن مبادئ تحريم الربا والغرر والميسر ليست غايات نهائية، بل هي وسائل لمنع الاستغلال والمضاربة التي تفسد النظام الاجتماعي. لذلك، لا يجب أن يتوقف دمج الاقتصاد الإسلامي في التنمية المستدامة عند المستوى الأدواتي، بل يجب أن يمس المستويين الفلسفي والأخلاقي.
الفصل الرابع: تطبيق القيم الإسلامية في التنمية المستدامة بجنوب شرق آسيا
٤-١ دور مؤسسات التمويل الإسلامي
تُعَد إندونيسيا وماليزيا مركزين عالميين للتمويل الإسلامي بأصول تصل إلى مئات المليارات من الدولارات (مجلس الخدمات المالية الإسلامية، ٢٠٢٣). نمت المصارف الإسلامية، والصكوك، والتأمين الإسلامي نمواً سريعاً في العقدين الأخيرين. غير أن هذا النمو لا يزال كمياً ولم يتحول بالكامل بعد. وُجِّهت انتقادات كثيرة مفادها أن المصرفية الإسلامية لم تفعل سوى محاكاة تقنية للمصارف التقليدية بوسم حلال، دون تغيير جوهر علاقة الدائن والمدين غير المتكافئة (ميويس وإبراهيم، ٢٠٢٠). رغم ذلك، أثبتت مؤسسات التمويل الأصغر الإسلامي مثل بيت المال والتمويل في إندونيسيا قدرتها على الوصول إلى الفقراء غير المتعاملين مع المصارف الرسمية. هذه هي نواة الاقتصاد الشعبي الحقيقي.
٤-٢ الزكاة والوقف والعمل الخيري الإسلامي
إمكانات الزكاة في جنوب شرق آسيا هائلة، حيث تصل إلى عشرات التريليونات من الروبيات سنوياً (الهيئة الوطنية للزكاة، ٢٠٢٣). للأسف، ما زالت إدارة الزكاة جزئية وغير مدمجة في برامج التخفيف من حدة الفقر الوطنية. من ناحية أخرى، بدأ تطوير الوقف الإنتاجي بشكل إبداعي: وقف النقود، ووقف الأسهم، ووقف الأصول غير المنقولة لبناء المستشفيات والجامعات (أسكاريا، ٢٠٢٢). سبقت ماليزيا غيرها في هذا المجال من خلال تأسيس شركات لإدارة شؤون الوقف، وإن لم تسلم من النقد بسبب اتهاامها بتسليع العمل الخيري. والمثير للاهتمام أن حركات العمل الخيري الإسلامي المجتمعية تزدهر على المستوى الشعبي، كمجتمعات صدقة الأرز والعيادات المجانية القائمة على المساجد، مما يخفف العبء المالي على الفقراء بشكل ملموس.
٤-٣ التربية الإسلامية وتمكين المجتمع
لا تُخرِّج المعاهد الإسلامية (البسانترين) والمدارس الإسلامية في جنوب شرق آسيا علماء دين فحسب، بل تُخرِّج أيضاً رواد أعمال ونشطاء اجتماعيين. قامت المعاهد الإسلامية الحديثة مثل غونتور في إندونيسيا والمدارس الإسلامية في كلنتان بماليزيا بدمج مناهج ريادة الأعمال والزراعة العضوية في أنظمتها التعليمية (لوكنز-بول، ٢٠١٩). يُشكِّل هذا الاستقلال الاقتصادي للمعاهد الإسلامية نموذجاً للتنمية المجتمعية وثيق الصلة بروح أهداف التنمية المستدامة. ومع ذلك، لا تزال معظم المعاهد الإسلامية التقليدية تعتمد على المتبرعين وتعاني من محدودية الوصول إلى التكنولوجيا. وهنا يأتي دور الحكومة والعمل الخيري لتعزيز القدرات الإدارية والبنية التحتية.
٤-٤ الحركات البيئية القائمة على المساجد والمعاهد الإسلامية
لم يعد المسجد مجرد مكان للصلاة، بل تحول إلى مركز للحركة البيئية. في سنغافورة، أصبح مسجد الإصلاح أول مسجد في جنوب شرق آسيا يحصل على شهادة المسجد الأخضر بفضل الألواح الشمسية وأنظمة إعادة تدوير المياه (المجلس الإسلامي السنغافوري، ٢٠٢١). في إندونيسيا، أُطلِق برنامج المعاهد الإسلامية البيئية (إيكو-بسانترين) بالتعاون بين وزارة البيئة والمعاهد الإسلامية الكبرى لإدارة النفايات وزراعة الأشجار. الأساس الديني لهذه الحركة هو الحديث النبوي الذي ينهى عن الإسراف في الماء ولو كان على نهر جار. تُتَرجَم هذه الروح لاحقاً إلى أفعال ملموسة: بنوك نفايات المعاهد، والغاز الحيوي من روث الأبقار، ومعالجة مياه صرف الطلاب. رغم أن نطاقها لا يزال ضيقاً، إلا أن هذه الحركة تُثبت أن القيم الإسلامية يمكن أن تكون محركاً للوعي البيئي.
٤-٥ دراسات حالة: إندونيسيا وماليزيا وبروناي دار السلام
تمتلك إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، ثروة من أفضل الممارسات المنتشرة في مناطق مختلفة. على سبيل المثال، تطبق مقاطعة نوسا تنقارا الغربية سياسة “أرض غورا” التي تدمج القيم الإسلامية في برنامج الأمن الغذائي (حلمي، ٢٠٢٠). تتفوق ماليزيا في ابتكار التمويل الإسلامي، بما في ذلك إصدار أول صكوك خضراء في العالم لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة (هيئة الأوراق المالية ماليزيا، ٢٠٢٢). بروناي دار السلام، رغم صغر حجمها، تطبِّق باستمرار فلسفة “الملايو الإسلام براجا” كفلسفة تنموية تؤكد الاستقرار والرفاهية القائمة على القيم الدينية. إن هذا الاختلاف في المناهج يُثري في الواقع خزانة الممارسات الإسلامية في التنمية، مبيناً أنه لا يوجد نموذج واحد صارم.
الفصل الخامس: التحديات والآفاق المستقبلية
٥-١ تحدي العولمة والحداثة
تجلب العولمة تيارات معلوماتية لا يمكن كبتها، بما فيها القيم المتعارضة مع الأخلاق الإسلامية. يتسرب الاستهلاكية واللذانية والمادية إلى مجتمعات جنوب شرق آسيا المسلمة، مولِّدة أنماط حياة مسرفة واستغلالية (هيفنر، ٢٠١١). من ناحية أخرى، كثيراً ما يُفهم التحديث فهماً سطحياً بوصفه تغريباً، مما يثير ردود فعل مقاومة تنتج بدورها إقصائية دينية. لذا، فإن التحدي الأكبر للمسلمين اليوم هو كيف يكونون حديثين دون فقدان الهوية، وكيف يكونون متدينين دون أن يصبحوا أصوليين.
٥-٢ قضية الفقر والتفاوت الاجتماعي
على الرغم من ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي في جنوب شرق آسيا، لا يزال التفاوت يشكل مشكلة كبرى. في إندونيسيا، تبلغ نسبة جيني ٠,٣٨، بينما تواجه ماليزيا فجوة مزمنة بين الأعراق (البنك الدولي، ٢٠٢٢). لا يمكن حل هذا الفقر الهيكلي بالصدقات الموسمية فحسب، بل يحتاج إلى تحول في النظام الاقتصادي. يمكن للزكاة المدارة مهنياً ومنتجاً أن تكون حلاً، لكنها لا تزال معاقة بتشريعات متداخلة وضعف التنسيق بين القطاعات.
٥-٣ تدهور البيئة وأزمة المناخ
تُعَد جنوب شرق آسيا من أكثر المناطق عرضة لآثار تغير المناخ. يهدد ارتفاع مستوى سطح البحر العاصمة جاكرتا ومعظم المناطق الساحلية في ماليزيا وبروناي (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، ٢٠٢٢). لا يؤدي تحويل الغابات إلى مزارع نخيل الزيت ومناجم الفحم إلى تدمير النظم البيئية فحسب، بل يُشعل أيضاً صراعات على الأراضي. والمفارقة أن معظم ضحايا التدمير البيئي هم من المجتمعات المسلمة الفقيرة في المناطق الريفية. لا يزال الوعي البيئي ضعيفاً بين العلماء والأمة، ولم تصبح القضية البيئية أولوية في الدعوة.
٥-٤ تكامل سياسات الدولة والقيم الدينية
لدى دول جنوب شرق آسيا نماذج مختلفة للعلاقة بين الدين والدولة. اختارت إندونيسيا البانشاسيلا، وجعلت ماليزيا الإسلام ديناً اتحادياً، بينما بروناي دولة إسلامية. لكن هذا الاختلاف لا يضمن بالضرورة دمج القيم الإسلامية في السياسات العامة. غالباً ما يحدث انفصام بين الخطاب الإسلامي وممارسات التنمية التي لا تزال رأسمالية (ليو، ٢٠٠٩). هناك حاجة إلى إرادة سياسية قوية من صانعي السياسات لجعل مقاصد الشريعة مؤشراً لنجاح التنمية، لا مجرد زينة احتفالية.
٥-٥ استراتيجيات تعزيز دور الإسلام في التنمية
للخروج من هذا المأزق، هناك حاجة إلى استراتيجية متعددة الأبعاد:
أولاً: تنشيط دور المسجد كمركز حضاري، ليس فقط للطقوس، بل أيضاً للاقتصاد والتعليم والبيئة.
ثانياً: إعادة توجيه تعليم المعاهد والمدارس الإسلامية لتخريج طلاب ليسوا فقط أتقياء فردياً، بل أيضاً حساسين للقضايا الإنسانية والإيكولوجية.
ثالثاً: التعاون الثلاثي بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الإسلامية في تصميم برامج تنموية عادلة.
رابعاً: حملات إعلامية مكثفة لتطبيع الخطاب الإسلامي المستدام في الفضاء العام (نصر، ٢٠١٠). يجب تنفيذ هذه الاستراتيجية باستمرار واستدامة، لأن التغيير لا يمكن أن يحدث فورياً.
الفصل السادس: الخاتمة
٦-١ الاستنتاجات
مما سبق بيانه، يمكن استخلاص عدة نتائج رئيسية:
أولاً: للإسلام في جنوب شرق آسيا طابع معتدل امتحنه التاريخ، ويشكل هذا الطابع أساساً متيناً لتنفيذ تنمية مستدامة تشاركية وعادلة.
ثانياً: لا يضاهي مفهوم التنمية المستدامة في المنظور الإسلامي أهداف التنمية المستدامة فحسب، بل يتفوق عليها لامتلاكه أساساً لاهوتياً متعاقباً يلزم الإنسان أخلاقياً.
ثالثاً: قُدِّمت ممارسات متنوعة لدمج القيم الإسلامية في التنمية في إندونيسيا وماليزيا وبروناي، وإن كانت لا تزال مجزأة وغير منهجية.
رابعاً: التحديات التي تواجهها المنطقة معقدة، بدءاً من المشاكل الهيكلية-الاقتصادية وصولاً إلى أزمة الوعي البيئي، لكن فرص التحول لا تزال واسعة المنال.
٦-٢ التوصيات
بناءً على هذه الاستنتاجات، توصي هذه الورقة بما يلي:
للأكاديميين: ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث حول مؤشر مقاصد الشريعة كأداة قياس شاملة للتنمية.
للحكومة: يُقترح دمج مبادئ المقاصد في خطط التنمية متوسطة المدى وطويلة المدى، وتعزيز تشريعات العمل الخيري الإسلامي.
للمنظمات الدينية ومؤسسات العمل الخيري: زيادة الابتكار في إدارة الزكاة والأوقاف، والنشاط في الدعوة إلى الإسلام الصديق للبيئة.
لوسائل الإعلام: إفساح مجال أوسع لخطاب الإسلام والاستدامة.
وأخيراً للمسلمين عامة: لنجعل تعاليم ديننا ليست مجرد عقيدة في القلوب، بل أيضاً روحاً للعمل، وأخلاقاً للاقتصاد، ومسؤولية بيئية.
قائمة المراجع
الشاطبي، أبو إسحاق. (د.ت.). الموافقات في أصول الشريعة. دار المعرفة.
أسكاريا. (٢٠٢٢). دور التمويل الاجتماعي الإسلامي خلال جائحة كوفيد-١٩ في التعافي الاقتصادي بإندونيسيا. مجلة الاقتصاد والتمويل النقدي الإسلامي، ٨(١)، ١–٢٨.
عودة، جاسر. (٢٠٠٨). مقاصد الشريعة كفلسفة للقانون الإسلامي: منهج نسقي. المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
عزرة، أزوماردي. (٢٠١٩). شبكة علماء الشرق الأوسط والأرخبيل الإندونيسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر. مجموعة بريناداميديا.
البنك الدولي. (٢٠٢٢). آفاق الاقتصاد الإندونيسي: الاقتصاد الأخضر من أجل مستقبل صامد. مجموعة البنك الدولي.
الهيئة الوطنية للزكاة. (٢٠٢٣). إحصاءات الزكاة الوطنية ٢٠٢٢. الهيئة الوطنية للزكاة.
شابرا، عمر. (٢٠١٦). مستقبل الاقتصاد: منظور إسلامي. المؤسسة الإسلامية.
فيركلاف، نورمان. (٢٠١٣). تحليل الخطاب النقدي: الدراسة النقدية للغة (الطبعة الثانية). روتليدج.
فينر، مايكل. (٢٠٢٠). الشريعة والهندسة الاجتماعية: تطبيق القانون الإسلامي في آتشيه المعاصرة، إندونيسيا. مطبعة جامعة أكسفورد.
غيرتز، كليفورد. (١٩٦٠). دين جاوة. الصحافة الحرة.
هيفنر، روبرت. (٢٠١١). الإسلام المدني: المسلمون والديمقراطية في إندونيسيا. مطبعة جامعة برينستون.
حلمي، مسعود. (٢٠٢٠). الإسلام والحكمة المحلية والتنمية المستدامة في غرب نوسا تنقارا. مطبعة جامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية.
مجلس الخدمات المالية الإسلامية. (٢٠٢٣). تقرير استقرار صناعة الخدمات المالية الإسلامية ٢٠٢٣. مجلس الخدمات المالية الإسلامية.
الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. (٢٠٢٢). تغير المناخ ٢٠٢٢: الآثار والتكيف وقابلية التأثر. مطبعة جامعة كامبريدج.
كحف، منذر. (٢٠١٩). مبدأ الاقتصاد الإسلامي. دار التقوى.
ليو، جوزيف شيني. (٢٠٠٩). التقوى والسياسة: الأصولية الإسلامية في ماليزيا المعاصرة. مطبعة جامعة أكسفورد.
لوكنز-بول، رونالد. (٢٠١٩). جهاد مسالم: التفاوض على الهوية والحداثة في جاوة المسلمة. بالغريف ماكميلان.
ميويس، كريستوفر، وإبراهيم، شريف. (٢٠٢٠). التمويل الإسلامي: قضايا في الشريعة الإسلامية وتحديات معاصرة. إدوارد إلغار للنشر.
المجلس الإسلامي السنغافوري. (٢٠٢١). مبادرات المساجد الخضراء في سنغافورة. المجلس الإسلامي السنغافوري.
نصر، سيد حسين. (٢٠١٠). الدين ونظام الطبيعة. مطبعة جامعة أكسفورد.
مركز بيو للأبحاث. (٢٠١٧). المشهد الديني العالمي المتغير. مركز بيو للأبحاث.
ريكليفز، ميرل كالفن. (٢٠٠٨). تاريخ إندونيسيا الحديثة منذ حوالي ١٢٠٠م (الطبعة الرابعة). بالغريف ماكميلان.
ساكس، جيفري. (٢٠١٥). عصر التنمية المستدامة. مطبعة جامعة كولومبيا.
هيئة الأوراق المالية ماليزيا. (٢٠٢٢). الصكوك الخضراء الماليزية: الأولى عالمياً. هيئة الأوراق المالية ماليزيا.
شهاب، محمد قريش. (٢٠١٧). تفسير المصباح: رسالة وانطباع وانسجام القرآن. مصباح.
فان بروينسن، مارتن. (٢٠١٨). الكتاب الأصفر والبسانترين والطرق الصوفية: التقاليد الإسلامية في إندونيسيا. ميزان.
اللجنة العالمية للبيئة والتنمية. (١٩٨٧). مستقبلنا المشترك. مطبعة جامعة أكسفورد.
