الدكتور عبد الودود نفيس
يُعَدُّ يومُ النهضة الوطنية مناسبةً مهمةً في تاريخ الأمة الإندونيسية، إذ يُذكِّر الشعبَ الإندونيسي بولادة الوعي الجماعي للنهوض من الاستعمار نحو الاستقلال والتقدُّم والوحدة. ومن منظور طلاب المعاهد الإسلامية (السانتري)، فإن النهضة الوطنية لا تُفْهَم على أنها مجرد نضال سياسي واجتماعي فحسب، بل هي أيضًا نهضةٌ في العلم والأخلاق والروحانية والتفاني في خدمة الدين والوطن.
لقد كان للسانتري دورٌ كبيرٌ في مسيرة تاريخ إندونيسيا. فمنذ عصر الاستعمار، وقف العلماء والسانتري في الصفوف الأمامية للحفاظ على كرامة الأمة. ولم تكن المعاهد الإسلامية (البيسانترين) مجرد أماكن لتعلُّم العلوم الدينية، بل كانت أيضًا مراكز للنضال، والتربية الأخلاقية، وتكوين الروح الوطنية. وإن روح حب الوطن التي نشأت في أوساط السانتري انطلقت من الإيمان بأن حماية الوطن جزءٌ من المسؤولية الأخلاقية والدينية.
ومن منظور السانتري، تبدأ النهضة الوطنية من نهضة القلوب والأخلاق. فالأمة العظيمة لا تُبنى بالقوة الاقتصادية والتكنولوجية وحدها، بل تُبنى كذلك بالأخلاق القوية. ويتعلم السانتري قيم الصدق والانضباط والمسؤولية والبساطة والاهتمام بالآخرين. وهذه القيم هي الأساس المهم لبناء مجتمع عادل ومتحضر.
إضافةً إلى ذلك، تُفْهَم النهضة الوطنية أيضًا على أنها نهضةٌ في العلم والمعرفة. فتراث السانتري مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بروح التعلُّم وطلب العلم. وقد علَّم العلماء منذ القدم أن العلم نورٌ يقود الإنسان إلى الشرف والكرامة. ولذلك، يتحمل السانتري مسؤولية مواصلة التعلُّم، وتوسيع الآفاق، والمساهمة في مختلف مجالات الحياة، سواء في التعليم أو الاقتصاد أو الشؤون الاجتماعية أو التكنولوجيا أو الدعوة الإسلامية.
وفي العصر الحديث، أصبحت التحديات التي تواجه الأمة أكثر تعقيدًا. فالعولمة، والأزمات الأخلاقية، وسوء استخدام التكنولوجيا، وضعف الوحدة الوطنية، كلها تحديات كبيرة يجب مواجهتها. وفي مثل هذه الظروف، يمتلك السانتري دورًا استراتيجيًا بوصفهم حراسًا للقيم الأخلاقية والروحية في المجتمع. ومن المتوقع أن يكون السانتري قدوةً في الحياة الاجتماعية من خلال تعزيز الاعتدال، والتسامح، والسلام، وحب الوطن.
كما ينعكس معنى النهضة الوطنية لدى السانتري في روح الخدمة والتفاني. فالسانتري لا يتعلم من أجل مصلحته الشخصية فحسب، بل أيضًا من أجل تقديم النفع للمجتمع. ويُعلِّمنا مبدأ: «خير الناس أنفعهم للناس» أن أفضل الناس هم أكثرهم نفعًا للآخرين. ولذلك، يجب أن تتجسد النهضة الوطنية من خلال الإسهامات الحقيقية في تطوير التعليم، ومساعدة المجتمع، والحفاظ على الوحدة، وتعزيز القيم الإسلامية التي تمثل رحمةً للعالمين.
ويفهم السانتري أيضًا أن حب الوطن جزءٌ من الشكر لله تعالى على نعمة الوطن الآمن والمزدهر. إن روح الوطنية في تقاليد المعاهد الإسلامية ليست وطنيةً ضيقة، بل هي وطنية قائمة على الإيمان والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية. ولذلك، يجب أن يكون نضال السانتري في بناء الأمة قائمًا على الطرق السلمية والحكيمة والمليئة بالحكمة.
ويُعَدُّ يوم النهضة الوطنية تذكيرًا بأن السانتري يتحملون مسؤوليةً كبيرةً في الحفاظ على مستقبل إندونيسيا. فنهضة الأمة لا تكفي فيها التنمية المادية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى تنمية أخلاقية وروحية. ومن خلال العلم، والأخلاق، والدعاء، والتفاني، يستطيع السانتري أن يكونوا قوةً مهمةً في تحقيق إندونيسيا المتقدمة والمتدينة والمسالمة والكريمة.
وبصفتهم الجيل القادم للأمة، يجب على السانتري أن يواصلوا الحفاظ على روح التعلُّم، وتعزيز الوحدة، وغرس القيم النبيلة في المجتمع. وبهذا، سيظل معنى النهضة الوطنية حيًّا في نفوس السانتري باعتباره روحًا للنهوض، والكفاح، وتقديم الخير للدين والوطن والإنسانية
